مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الافتتاحية

الجزء ١ · صفحة ٣

خلائف الشيخ عدُّون على العهدِ مَاضُون، وفي النهج سائِرُون؛ لأنَّهم أُشرِبوا خُلُق الإخلاص، وأيقنوا أنَّ الأشخاص أشباحٌ، وظِلٌّ زائلٌ، وأنَّ البقاء للمبادئ؛ فلا معبود إلاَّ الله، ولا خالدَ إلاَّ هو، ولا مناص لمن أراد الفوز والفلاح إلاَّ التمسُّك بهذه الثوابت، ومن تنكَّب نهج الهدى كان سعيُهُ سُدى، ولم ينل من دهره غير الخسائر، وإن أدرك بعض ما أراد، فسوف تدور عليه الدوائر.

على هذا المحور دار فَلَكُ الإصلاح، ولهذه الغاية سارَت قافلتُه، وإليه قاد رُبَّانُه سفينَتَه، وقد كلَّفهم ذلك عَنَتًا، ولَقَوا من العراقيل والمكايِد ما لَقَوا، يدفَعُهُم الإيمانُ والتأسِّي برُسل الرَّحمن، مُرَدِّدِينَ قولة الشاعر:

وَالخُلْدُ فيِ الدُّنيَا وَلَيْسَ بِهَيِّنٍ.:.:. عُلْيَا المَرَاتِبِ لَمْ تُتَحْ لِجَبَانِ

فَلَوْ أَنَّ رُسْلَ اللهِ قَدْ جَبنُوا.:.:. لمَا مَاتُوا عَلُى دِينٍ وَإِيمَانِ

وكم كان يُطرِبُهم قولُ مفدي زكرياء في ذمِّ الجبن والجبناء:

إنَّ الجَبَانَ عَلَى البِلاَدِ مُصِيبَةٌ.:.:. عَظُمَتْ، فَيَا أَرْضُ ابْلَعِي الجُبَنَاءَ

وامتزج القولُ بالفعل في سلوكِ هؤلاء الروَّاد الأُمَناء؛ فكانوا القادة والزعماء، وإن لم يسكنُوا قصورَ الأمراء، ودانَت لهُمُ القلوبُ قبل الرقاب، وكان أثرُهُم في الأمَّة العَجَبَ العُجَاب، حين زَرعوا بقُدوَتِهِم قبل قَولَتِهِم في قلوب تلاميذهم وأحبَّتِهِم أنَّ الحياةَ الخالدة قِوامُها الإيمان، وتُرجمانُ الإيمان عزيمة تحرِّك الإنسان، ينطلق بها فارسًا في الميدان، ولكن بحكمة وأناة، لا بتهوُّر وانفلات، فيُقْدِمُ إذا لَزِمَ الإقدامُ، وينثني حين يَلزِم الإحجام، فإذا انجلت العواصف واصل المسير، لا يَصدُّه عن غايته خوفُ المصير، لأنَّه آمن بنُبل الرسالة وشرف الأمانة، وحرص على الموت فأتته الحياةُ طائعةً، ودانت له الدنيا راكعة.

بهذه الروح ستمضي دورية الحياة ثابتةَ الخطواتِ رغم العراقيل والعقبات، تفتَحُ صدرَها لكلِّ من آمن بها، مجالاً للفكر المستنير، أصيلاً في ثوابته، قويمًا في مناهجه، متفتِّحا على عصره، وما يمُورُ به من تطوُّرات، مستفيدًا من نتاج العقل البشري في شتَّى المجالات، ممدودَ اليدِ للتعاون مع كلِّ جهد مخلص لتنوير الجيل بالعلم النافع، والرأي السديد، سعيًا لترشيد الأمَّة، وإحياء مَوَاتِها، حتَّى تُحقِّق الشهود الحضاري المنشود.

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:105).

مسقط ـ سلطنة عمان

صباح الجمعة: 05 شعبان 1426هـ

الموافق 09 سبتمبر 2005م

--------------------

الهوامش

(1) - نظمنا هذا البيت خلال كتابة المقال مُعارضَةً لبيت زهير بن أبي سلمى المشهور:

سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ.:.:. ثَمَانِينَ حَوْلاً لاَ أَبا لَكَ يَسْأَمِ

٣ / ١٩٧