الفقه المقارن وضوابطه
الجزء ١ · صفحة ٢٤مناهج أصولية وخطط تشريعية، وبيان منشإ الخلاف فيها، ثم مناقشة هذه الأدلة أصوليا، والموازنة بينها، وترجيح ما هو أقوى دليلا، وأسلمَ منهجًا، أو الإتيان برأيٍ جديد، مدعمٍ بالدليل، والأرجح في نظر الباحث المجتهد» (3).
وبعبارة أوجز، يحدد مفهوم الفقه المقارن بأنه "جمع الآراء الفقهية المختلفة وتقييمها، والموازنة بينها بالتماس أدلتها، وترجيح بعضها على بعض" (4).
وواضح أن منهج الاستدلال في الفقه يقوم على أصول مشتركة وأدلة متفق عليها بين المجتهدين، مما يوحد السبيل الموصلة إلى الحكم في الغالب، بيد أن ثمة أسبابا تفضي إلى اختلاف الآراء والأحكام المستنبطة من النصوص والأدلة الاجتهادية، تتعلق بطريقة تفسير النصوص، والترتيب بين الأدلة عند التعارض، أو اعتماد بعض القواعد والأدلة التبعية عند بعض الأئمة دون بعض، كالخلاف حول مفهوم حجية المخالفة بين الحنفية وغيرهم، والاختلاف في الاحتجاج بالاستحسان أو المصالح المرسلة أو حجية قول الصحابي، وموقف الظاهرية من إنكار القياس، فضلا عن عدم الإحاطة بكل نصوص السنة النبوية أو معرفة ناسخها من منسوخها، كل ذلك وغيره من الأسباب كانت سببا لتعدد آراء المجتهدين.
فاختلاف الفقهاء لا يعني بتاتًا اختلافا جوهريا في أصول الشريعة وقواعدها، بل هو تنوع مسالك وقواعد تفسير لهذه الأصول، وهو ثمرة تفاوت بين المجتهدين في مدى اعتماد هذه الأصول، وبهذا سلمت القواعد والنظريات العامة من التناقض، بل وجدنا اختلاف الفروع نتيجة لوحدة الأصول ومصادر الاستنباط.
ورغم هذا التنوع المتكامل للثروة الفقهية فإنه بات ضروريا دراسة هذه الآراء ومعرفة راجحها من مرجوحها وقويمها من سقيمها، بمنهج علمي رصين؛ قائم على تحري الحق وتحكيم الأصول التي اعتمدها المسلمون ميزانا موثوقا للاستنباط والاجتهاد، والموازنة بين الأدلة والترجيح بينها عند التعارض.
هذا هي وظيفة الفقه المقارن مفهومًا، وتلك هي غايته ممارسةً، وهي رسالة سامية ومسؤولية ثقيلة، لأنها تهدف إلى غاية نبيلة هي التقريب بين الاجتهادات ورصد أقرب الآراء إلى مقصد الشارع الحكيم، وأوفقها بتحقيق مصالح المكلفين.
* ـــ نشأة الفقه المقارن:
كانت انطلاقة الفقه منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره المفتي الأول، فقد بيّن للناس ما نُزّل إليه من آي القرآن، ووضع للصحابة منهج الاجتهاد، ودرّبهم على ذلك في وقائع عديدة، فكان يقرّهم عندما يصيبون، ويسددهم إذا لم يحالفهم الصواب.
وقد أعلمهم بتفاوت مراتبهم في ذلك، بقوله: «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها ورب مبلغ إلى من هو أفقه منه» (5)، ثم ذكر أسماء لامعة في مجالات متعددة من الفقه فقال: