مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الفقه المقارن وضوابطه

الجزء ١ · صفحة ٢٥

"أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضكم زيد، وأقضاكم علي"، وصوّب عمار بن ياسر حين تمعك في التراب بدلا عن التيمم للاغتسال، وأقر عمرو بن العاص على إمامته أصحابه في الصلاة وقد تيمم للجنابة، وقال للصحابيين اللذين صليا بتيمم ثم وجدا الماء فأعاد أحدهما الصلاة ولم يُعِد الآخر، فقال للذي لم يعد أصبت السنة، وقال للذي أعاد "لك الأجر مرتين". وأمر الصحابة إثر انتهاء غزوة الخندق بالتوجه إلى بني قريظة عاجلين وقال لهم "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"، ولكنه صوّب من صلى في الطريق في الوقت، ومن صلى في بني قريظة بعد مضي الوقت. إذ التزم فريق بحرفية النص، وسلك فريق سبيل التعليل، واعتماد مقاصد الشارع الحكيم.

وامتدت هذه الدورة التدريبية الرشيدة طيلة زمن الرسالة، فلم يجد الصحابة عنتا ولا حرجا بعد رحيل المصطفى إلى الرفيق الأعلى، بل وجدوا أنفسهم مؤهلين لهذه المهمة، فحسموا مسائل طارئة أفرزتها وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتحديد مكان قبره، وتولية خليفة له، ومحاربة مانعي الزكاة، وغير ذلك من جديد النوازل.

ويمكننا القول: إن الفقه المقارن نشأ مع نشأة المذاهب الفقهية، وإن أصله يعود إلى المناظرات التي قامت بين أئمة المذاهب، مما حفظت مدوناتهم، أو سجله تلاميذهم، مثل ما دونه الإمام مالك في الموطإ من رسالته لليث بن سعد، وما تضمنه كتاب "الأم" للشافعي في اختلافه مع أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، واختلاف أبي حنيفة مع الأوزاعي. وكذا اختلاف الشافعي مع مالك، وغير ذلك.

وتنامت الثروة الفقهية باتساع أرض الإسلام وتهاطل المسائل الجديدة على الفقهاء من الصحابة، فسعوا لإضفاء صبغة الشريعة على كل ما واجههم من مشاكل دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية. وعلى سننهم سار تلاميذهم من التابعين، ثم من بعدهم من الأئمة والمجتهدين.

وثمة مدونات كثيرة رصدت هذه الحوارات العلمية بين الأئمة، وحفظتها، مثلما سجله النيسابوري في "الإشراف على مذاهب أهل الخلاف"، و"اختلاف الفقهاء" لأبي جعفر الطحاوي، و"تأسيس النظر" للدبوسي، وكذا تفسير الطبري، وتفسير القرطبي، إضافة إلى كتب شروح السنة التي تضم وفرة وفيرة من حوارات الفقهاء، ومناظراتهم، وذلك هو الفقه المقارن في صورته العملية الواقعية.

ولا ينكر منصف ما امتازت به القرون الأولى لمسيرة الفقه الإسلامي من سمة تحررية في التماس الحكم الشرعي، ثم انضوائها بعد ذلك تحت قيود الالتزام المذهبي الغالي في بعض الأحيان في القرون اللاحقة، وامتدت هذه المرحلة زمنا طويلا عرف بعصر الجمود والانغلاق، وشاع بين الناس الفتوى بحرمة الاجتهاد وإغلاق بابه دون المريدين، ولو بلغ أحدهم منازل الأئمة المجتهدين. ثم رسخ مفهوم الانغلاق على المذاهب المشهورة، وحرمة الخروج عنها، واعتبار ما سواها خارجا عن نهج الحق نائيا عن الهدى والصواب.

كل هذا كان تضييقا لواسع، وحجرا على العقول، ما نزل به كتاب، ولا ارتضاه الله للناس. حين

٢٥ / ١٩٧