الفقه المقارن وضوابطه
الجزء ١ · صفحة ٣٠لغرض تضييق هوة الخلاف بين المجتهدين، ويفضي إلى تبين وجه الحق في غالب ظن الباحث المجتهد.
سادسا: فسح المجال أمام الباحث المقتدر لإبداء رأي اجتهادي جديد مدعَّم بدليل يراه أقوى سندًا من كل ما عير عليه من أدلة للمجتهدين، وبخاصة مع ملاحظة اختلاف الظروف، التي لها أثر بالغ في تشكيل علة الحكم، فتختلف نتائج التطبيق باختلاف ملابساته، والمآل معتبر مقصود شرعًا في تشريع الحكم، وتكييف الفعل مشروعيةً أو بطلانًا. وهذا ما يدفع بالدارسات الفقهية خطوات مباركة في سبيل التأصيل والتطوير، ومواكبة الواقع المعيش.
سابعا: إشاعة روح التسامح بين أتباع المذاهب، بدءًا بالباحثين وانتهاء بالعامة المقلدين، وبذلك يتم القضاء على عوامل التعصب المذهبي والنزعات العاطفية التي سادت الفقه الإسلامي لأمد بعيد.
ثامنا: تكوين أصالة الفكر الاجتهادي، وصقل الملكة الراسخة، وتحقيق الشخصية العلمية النزيهة، إظهارا لحقائق الشرع، ومحافظة على قصد الشارع، وتحريا له، باتباع مقتضيات الأدلة جملة وتفصيلا.
تاسعا: إحياء التراث الإسلامي الأصيل والثمين، وهو من أنفس ما أنتجته حضارة الإسلام، وتوظيف هذا التراث ميدانيا في حاضرنا ومستقبلنا (19).
ودونما إسهاب في قضية تجزؤ الاجتهاد، فإن منطق الواقع يقضي بحسم المسألة وموافقة القول بجواز تجزؤ الاجتهاد، وهو رأي جمهور علماء الأصول، فلا يشترط فيمن يتصدى للمقارنة بين آراء الفقهاء أن يكون ملما بالفقه كله على ضخامة حجمه، وتشعب مسائله، بل يكفي أن يكون على دراية وافية بالموضوع الذي يطرقه حتى يستطيع الموازنة بين الآراء عن علم وبصيرة، ويكون رأيه في النهاية سديدا، أو قريبا من الحق الذي هو مقصود المجتهدين أولا وأخيرا.
إسهام الإباضية في الفقه المقارن:
أسهمت المدرسة الإباضية مثل نظيرتها من المدارس الفقهية الإسلامية بجهود طيبة في مضمار إثراء الفقه عن طريق عقد المقارنات بين آراء الفقهاء، سواء داخل المدرسة الواحدة، أم بين المذاهب المختلفة، وهو منهج جرى العمل به منذ عهد مبكر لتدوين المؤلفات الفقهية لدى هذه المدرسة.
وبيان ذلك أن إمام المذهب جابر بن زيد كان يعوّد تلاميذه على النظر المستقل، فلم تكن متابعتهم له تقليدا مقدسا، بل اتباعا للحجة والدليل، وكانوا لذلك لا يقفون عند آرائه، بل يخالفونه في عديد منها إذا وجدوا العدل فيما سواها. كما نشأ حوار علمي رصين بين تلاميذه وتلاميذ تلاميذه أيضا، وحفظت لنا المدونات الفقهية الأولى هذا الحوار في مواقف كثيرة.
وفي كتاب "المدونة" التي وضعها أبو غانم بشر بن غانم الخراساني في القرن الهجري الثاني، نماذج