الفقه المقارن وضوابطه
الجزء ١ · صفحة ٢٩ومن هنا تتجلى لنا معالم الفقه المقارن، وضوابطه التي ترسم مساره وتحدد اتجاهه، وهي أن يقوم على أساس الموسوعية في الاطلاع، والموضوعية في الحكم، والشجاعة في الموازنة والترجيح، ولن يتم هذا إلا لمن توافرت لديه آليات الاجتهاد وأدواته الفنية والموضوعية، وفق ما فصله علماء الأصول في شروط المجتهد، وقواعد عملية الاجتهاد.
وتقوم عملية الاجتهاد على أربعة أركان، تتمثل في العناصر الآتية:
*-الواقعة المعروضة للبحث أمام المجتهد بما يحتف بها من ظروف وملابسات، فيبذل جهده لمعرفة حكم الشرع فيها، سواء أكانت منصوصا عليها أم غير منصوص.
*-الدليل الذي يستند إليه المجتهد لبناء الحكم المناسب لتلك الواقعة محل الاجتهاد، وتتنوع الأدلة بين نص يثبته ثم يفسره، أواستدلال بقياس على أصل منصوص، أو مصلحة يراعيها، ويقيمها على معقول جملة نصوص تعتبرها، أو أصل كلِّي شهد لها بالاعتبار.
*-الملكة الاجتهادية الراسخة، وهي قدرة المجتهد على التعامل مع الواقعة والدليل، والمواءمة بينهما أو الربط بينهما، للوصول إلى الحكم المطلوب، وهو ما يتطلب دربة ومرانا، وخبرة تكون وليدة طول ممارسة ومعايشة لنصوص الشريعة فهما وتأويلا، واستنباطا وتنزيلا.
*-تطبيق الحكم تطبيقا سديدا، وهو الثمرة العملية لعملية الاجتهاد، بمراعاة كل ما يحيط بالقضية من ظروف وملابسات، لما لها من أثر هام على الحكم النهائي، ومآل عملي على المستوى التطبيقي، وهذا ما اصطلح عليه بالاجتهاد التطبيقي القائم على مراعاة المآل والنتائج النهائية لهذا التطبيق (18).
وانطلاقا من هذه الأركان يمكننا أن نحدد أهداف الفقه المقارن في هذه الغايات:
أولا: التعرّف على كيفية تناول كل مجتهد المسألة المعروضة للبحث، وكيفية تصوره لها، أو تكييفه لها، وما هي الأدلة التي اتخذها أساسا لحكمه، وطريقة توجيهه لتلك الأدلة. وفي هذا التعرف نتوصل إلى تصور واقع الفقه الإسلامي من أيسر طرقها وأسلمها، وتقييم ذلك الواقع تقييما موضوعيا.
ثانيا: إثراء مدارك الباحث نتيجة للتبحر وسعة الاطلاع على ما صدر في المسألة المختلف فيها من آراء اجتهادية.
ثالثا: التمكن من الموازنة الموضوعية الدقيقة بين الأدلة التي صدر عنها المجتهدون، موازنة تعتمد النظر الأصولي في دليل كل مجتهد، لتبيّن مدى قوته، كما تعتمد على مدى صحة استدلاله.
رابعا: التعمق في فهم وتحديد "منشأ الخلاف" أو سببه، وتركيز البحث في هذا المنشأ لبيان موطن الضعف أو القوة فيه، ليكون ذلك عونا له كخطوة أولى، أو مقدمة لترجيح الرأي الذي يستند إلى السبب القوي، وبيان وجه هذا الترجيح.
خامسا: القدرة على التوفيق بين الآراء التي تبدو متعارضة ظاهريا، دون تكلف أو اعتساف،