الفقه المقارن وضوابطه
الجزء ١ · صفحة ٤٣في أمر موسى بن موسى وراشد بن النضر، وقد تزعمها الإمام ابن بركة، وبين علماء المدرسة الرستاقية المتشددة في القضية، وزعيمها الإمام أبو سعيد الكدمي، فإن الاختلاف السياسي بين المدرستين لم يؤثر على الاستفادة المتبادلة بينهما، وإن كان بَاعُ المدرسة الرستاقية أوفر وأفضل في علوم اللغة وعلم أصول الفقه (121).
والذي نال نصيب الأسد من الأثر على الضياء هو أبو محمد عبد الله بن بركة، ينقل عنه بقوله: قال أبو محمد، في مواضع عديدة من الضياء (122). وقد حاز ابن بركة هذه المكانة بفضل كتابه الجامع "الجامع" الذي غدا موئلا لكل من كتب في الفقه من الإباضية منذ القرن الرابع حتى عصرنا الحاضر. حتى اصطلح عليه لدى العمانيين باسم "الكتاب"، فهو مثل كتاب سيبويه عند النحويين.
ولم يكتف العوتبي بالاقتباس المتكرر من جامع ابن بركة، بل جاراه حتى في طريقة التضييق وتقسيم الموضوعات، وبخاصة في أجزائه الأولى حيث تناول القضايا الأصولية على نسق وأسلوب ابن بركة حذو النعل بالنعل، كما نقل كلامه حرفيا في مسائل فرعية عديدة (123).
وقد يتحرى العوتبي الدقة أكثر في نقل الخبر، مثل ذكر اسم الراوي في حديث استشهد به ابن بركة ولم يذكر راويه (124).
ولئن اهتم العوتبي أساسًا بآراء أئمة الإباضية فلم يكن حبيسها أو مقدسًا لها، بل ربما رجح غيرها، مما يراه أفضل وأولى بالاعتبار، كما قد يستقل بآراء خاصة كقوله بحصول الإجماع على أن أقل الحيض يوم وليلة، والحال وقوع الخلاف في ذلك، ومشهور الشافعية أن أقله دفعة واحدة، بينما يرى الإباضية والحنفية أن أقله ثلاثة أيام (125)، ولذلك انتقد الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي على العوتبي ادعاء هذا الإجماع (126).
ومما انتقد عليه أيضا رأيه في مسألة: هل تلزم العدة المرأة إن طلقت بعد أن أرخى عليها زوجها الستر، وادعت أنه لم يطأها، وصدّقها الزوج؟
فقد نقل العوتبي الإجماع على وجوب العدة، وأنهما لا يُصَدَّقان في عدم المسيس، ولكن الخلاف واقع فيها بناء على الخلاف في اعتبار العدة حقًّا لله لا يجوز التنازل عنه، أم هي حق للزوج يجوز إسقاطه. والمسألة مبسوطة بأدلتها، وقد انتقد الشيخ أبو نبهان على العوتبي حكايته الإجماع في هذا المقام (127).
وفي عدة المرأة المفقودة يرى العوتبي أن على زوجها أن ينتظر حولا كاملا حتى يستطيع أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها، خروجا من محذور الجمع بين الأختين، أو بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها.
وانتقد الشيخ جاعد الخروصي هذا الرأي لتفريقه بين الرجل والمرأة بلا دليل، فإما أن ينتظر الرجل أربع سنين ثم يحكم بوفاة زوجته، وإما أن يطلقها فيحسب عدة الطلاق، ثم يتزوج بعد انتهائها،