الفقه المقارن وضوابطه
الجزء ١ · صفحة ٤٢وأكثر عادتها الطهارة، والحيض حادث، فحتى يعلم حدوثه، ولا يعلمه أحد غيرها، وليس لها أن تمرّ أمام المصلّي، فإن مرّت فلا قطع عليه، حتى يعلم ذلك، والله أعلم» (97).
كما يؤيد رأي الحنفية في نقض الصلاة والوضوء بالقهقهة في الصلاة، واعتبارها حدثا ناقضا. بينما لا يعتبره الإمام مالك ناقضا للصلاة ولا للطهارة. والرعاف عند مالك كالقهقهة، لأنه لا يعتبر الحدث إلا ما كان متفقًا عليه، ولكنه قال: من دخل الصلاة بتيمم، ثم رأى الماء وهو في الصلاة انتقضت طهارته، وهذا حدث عنده.
وانتقده بأن هذا ليس حدثا متفقا عليه، فلِم اعتبره ناقضا، وكان عليه أن يسويه بالقهقهة والرعاف (98). ثم ناقش رأي أبي حنيفة ورأي الشافعي في المسألة (99). واحتج لقول الإباضية والحنفية بأحاديث تقضي بنقض القهقهة للوضوء والصلاة (100).
ومن نماذج موضوعية العوتبي ما ذكره في مسألة «السجود على كور العمامة (101)، فجوّزه بعضهم، وهو قول أبي حنيفة، وكرهه آخرون، ولم يُقْدِم بالأمر بإعادتها، وأفسدها بعضهم، وبه قال الشافعي، واحتج بحديث أبي رفاعة عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثم يسجد ويُمكِّن جبهته بالأرض حتى تطمئن مفاصله".
والذي يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد على كور العمامة خبر ضعيف، ولا يجوز قياس الجبهة على الركبتين، لأن الركبة تستر في العادة، والجبهة تكشف في العادة، فوجب كشفها في حال السجود .. » (102)، واستشهد بما يعضد هذا القول كقوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُود﴾ (103) وهو مدح لهم، ومن لم يسجد على جبهته وأدام السجود على كور العمامة لم يكن في وجهه أثر السجود، ولكن لا يجوز أن يقصد إظهار هذه العلامة فيكون رياء وضربا من النفاق (104).
الاستقلال الفكري في آراء العوتبي:
*-آراء انفرد بها العوتبي:
طفح كتاب العوتبي بأسماء أعلام الإباضية منذ نشأة المذهب إلى عصره، بين من يكثر وروده ومن يقل حسب ثقله العلمي ومدى ما أورثه من تراث وآراء، فمنهم جابر بن زيد (105)، وأبو عبيدة مسلم (106)، والربيع بن حبيب (107)، وابن محبوب (108)، وموسى بن أبي جابر (109)، وموسى بن علي (110)، وأبو الحواري (111)، وأبو المنذر بشير (112)، وأبو زياد (113)، وأبو المؤثر (114) وأبو سعيد (115)، وأبو الحسن (116)، ومحمد بن موسى، وأبوه موسى بن محمد (117)، وأبو مالك الصلاّني (118)، وأبو عبد الله
محمد بن عثمان (119). كما أورد رأيا للشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر النفوسي المغربي (120) مما يزكي قوة التواصل العلمي بين المشرق والمغرب.
ويذكر الشيخ الخليلي أن العوتبي لم يميز في إيراد آراء المذهب بين علماء المدرسة النزوانية المتساهلة