مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الفقه المقارن وضوابطه

الجزء ١ · صفحة ٤٥

الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (135).

وعن النبيء صلى الله عليه وسلم من طريق أنس بن مالك أنه قال: «الحكمة تزيد الشريف شرفا وتضع العبد المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك» (136).

أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال: «للأنبياء على العلماء فضل درجتين، وللعلماء على الشهداء فضل درجة» (137).

عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «أهلك أمتي رجلان عالم فاجر وجاهل متعبد» (138).

فلا يلتزم إيراد سند الحديث أو درجته من الصحة اكتفاء بقبول الفقهاء له، وربما كان الحديث ضعيفا أو موضوعا فلا ينبه عليه، مثلما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بسم الله الرحمن الرحيم تيجان الكتب» (139).

وروى حديثا عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ نقطة، فنظرت إلى نفسها فتصاغرت فتواضعت لله تعالى فصارت همزة، فلما رأى تواضعها طوّلها فصارت ألفا … » (140). ثم تستمر الحكاية في مسلسل طريف لتشكل الحروف بصورة لافتة، ولكن لا يعضدها توثيق السند بطريق صحيح.

وفي حديث آخر عن علي بن أبي طالب «ما من كتاب فيه بسم الله الرحمن الرحيم ملقًى في بقعة من الأرض إلا بعث الله من يرفعه، وإذا رفعه أدخله الله الجنة وخفف عن والديه العذاب وإن كانا مشركين» (141). فهذا الحديث تناقضه الأصول وقطعيات الدين، وليس بحاجة إلى نقد الناقدين.

وأحيانا يتعرض للخلاف حول ثبوت الخبر ونقد الرواية، ويستثمره في الموازنة بين الآراء.

ومن شواهد ذلك مسألة نقض الصوم بالكذب، وهي مسألة خلافية بين الإباضية أنفسهم، مع اتفاقهم على أن الكذب ينقض الوضوء دون طهارة الاغتسال من الجنابة، واستندوا إلى حديث رواه أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النميمة الكاذبة والكذب ينقض الصيام وينقض الوضوء»، ثم أورد انتقاد المخالفين في المسألة لعدم ثبوت الحديث عند بعضهم، وتأوله من أثبته منهم بالحرمان من ثواب الصوم دون نقضه، واعتبره العوتبي تأويلا فاسدا، واستدل لصحة مذهبه بأحاديث أخرى، كقوله (: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع له طعامه وشرابه»، وقال: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش»، وأورد روايات عن عمر وعلي وأنس بن مالك قالوا: فيمن كذب أو اغتاب أنه قد فسد صومه (142).

ويؤكد هذا التوجه أيضا ما أورده من روايات عديدة في حكم الخمر، بلفظ «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وردّ بها على من أجاز النبيذ (143).

وفي مسألة زكاة الخيل قال: «وقال الشافعي لا زكاة في الخيل، وقال أبو حنيفة: تجب في الخيل السائمة إذا كانت إناثا أو إناثا وذكرانا، في كل فرس دينار أو ربع عشر قيمته. الحجة عليه قوله

٤٥ / ١٩٧