مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الفقه المقارن وضوابطه

الجزء ١ · صفحة ٤٦

عليه السلام: "ليس على المسلم في عبيده ولا فرسه صدقة"، ولأنه حيوان لا تجب الزكاة في ذكورها إذا انفردت، فلم تجب في ذكورها وإناثها، كالبغال والحمير، وعكسه المواشي. فأما قوله عليه السلام: "في الخيل السائمة في كل فرس دينار" فهو خبر ضعيف رواه عورل السعدي (144)، وهو مجهول لا يحتجّ بخبره، على أنه محمول على الخيل السائمة إذا كانت للتجارة» (145).

وفي قضية الصيام عن الميت، ذكر الأقوال فيها، وهي آراء الأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي وداود الظاهري، وأدلتها وناقشها، وأورد سند أحاديثها، وتضعيف بعض رواياتها، وتأويل معانيها، ثم رجح في النهاية ما رآه منها صوابا (146).

ولم يكن يألو جهدًا لتوجيه الأحاديث واستثمارها أصوليا لاستنباط الأحكام منها وجوبا أو ندبا أو حرمة أو كراهة أو إباحة. ومن شواهد هذا الاستثمار توجيهه لأحاديث النهي عن اتخاذ المساجد طريقا وعن نشدان الضالة فيها، وعن البيع فيها، فبعضها قال: إنها تفيد الكراهة والتأديب، وبعضها يفيد التحريم، ويرخِّص لأصحاب الضرورات عند الحاجة (147).

وإذا عجز عن نقد الحديث احتمل له وجوها من التأويل، كما فعل في حديث "لا توَطّن المساجد للصلاة والذكر لرجل إلا يبشبش الله به حين يخرج من منزله كما يُبشبش أهل البيت بغائبهم إذا قدم عليهم".

قال: «ومعنى ذلك المسرّة به، ويقال: قد تبشبش فلان بفلان إذا أسرّه وانبسط إليه. فإن كان الحديث صحيحا فتأويله على المجاز لا على الحقيقة، لأن السرور والبشاشة ليس من صفات الله عز وجل» (148).

* ـــ القياس بين الإفراط والاقتصاد:

كان القياس أساسا اعتمده جمهور المجتهدين لاستنباط الأحكام، وضمان شمول الشريعة لتجدد الحياة وتدفق القضايا التي يعيشها الإنسان، ولم يفرط العوتبي في هذا الدليل، بل استند إليه في كثير من آرائه أسوة بسائر المجتهدين.

ولكنه كان يلتزم شرائط القياس حتى يثمر اجتهادا صحيحا، ويرفض ما خالف قواعده، أو لم يستوف شرائطه.

فقد وافق إجماع الإباضية أن الظهر والعصر تصلى بالفاتحة وحدها دون السورة، استنادا إلى الإجماع على أن كل الركعات السرية تصلى بالفاتحة وحدها، بينما يُقرَأ في الركعات الجهرية بالفاتحة والسورة. وأورد الحوار مع المخالف في هذه المسألة، واحتج بالقياس وانتصر للقول بعدم السورة في الظهر والعصر (149).

ومن ذلك مسألة تحريم الموطوءة في الحيض على زوجها، وهو قول مأثور عند الإباضية، وألحقوا بها الموطوءة في النفاس. وكان رأي العوتبي رفض هذا القياس لاختلاف الصورتين، إذ إن القرآن ورد

٤٦ / ١٩٧