المصاحف العثمانية والأحرف السبعة
الجزء ١ · صفحة ٥وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أنَّ هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمُها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبيء صلى الله عليه وسلم على جبرائيل عليه السلام، متضمِّنة لها، لم تترك حرفًا منها».
«قلتُ؛ وهذا القول هو الذي يظهر صوابُه … » (1).
كما ذكر في «منجد المُقرئين ومرشد الطالبين» عن الأئمة أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وأبي عمر بن عبد البر، ومكِّي بن أبي طالب القيسي، وأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي أنَّ المصاحف العثمانية هي بعض الأحرف السبعة ــــ عند بعضهم ـــ أو هي حرفٌ واحد ـــ عند آخرين ـــ من غير تعيين الحروف أو الحرف (2).
وقال في موضع آخر من الكتاب: «وللشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري رحمه الله رسالة ذكر فيها أنَّ القرآن وصل إلينا متوترًا بأحرفه السبعة التي نزل بها القرآن على النبيء صلى الله عليه وسلم».
وقال [أعني ابن الجزري]: «قُلتُ: وهذا عجبٌ منه مع جلالة قدره، ولو كان هذا الكلام من غيره لقلنا عنه إمَّا أن يكون ما يدري الأحرف السبعة ما هي؟ أو ما يدري التواترَ ما هو؟ وحاشاه من ذلك» (3).
هكذا يرى الإمام ابن الجزري أنَّ المصاحف العثمانية رُسمت على ما يوافق بعض الأحرف فقط، ويتمسَّك برأيه إلى حدٍّ الإنكار الشديد على أحد الأئمة الأعلام في هذا العلم الإمام الجعبري على جلالة قدره حسبما نعته هو».
وإلى جانب هذا نجد من أكابر العلماء من يتَّخذ من قضية رسم المصاحف على حرف واحد نموذجًا للسنَّة التي سنَّها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، ويأخذها مأخذ التسليم، وكأنْ لم يرد فيها أدنى اختلاف بين العلماء.
قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي: «ويُطلَقُ أيضًا لفظ السنَّة على ما عمل عليه الصحابة، وُجد ذلك في الكتاب أو السنَّة أم لم يُوجَد، لكونه اتباعًا لسنةٍ ثبتت عندهم لم تُنقل إلينا، أو اجتهادًا مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم، فإنَّ إجماعهم إجماعٌ، وعمل خلفائهم راجعٌ أيضًا إلى حقيقة الإجماع من جهة حمل الناس عليه حسبما اقتضاه النظر المصلحي عندهم، فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالحُ المرسلة والاستحسان، كما فعلوا في حدِّ الخمر وتضمين الصنَّاع، وجمع المصحف وحمل الناس على القراءة بحرفٍ واحدٍ من الحروف السبعة، وتدوين الدوواين وما أشبه ذلك، ويدل على هذا الإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام: "عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين"» (4).
إنَّ الإمامين أبا إسحاق الشاطبي، ومحمد ابن الجزري من أكابر العلماء الذين خدموا الدين فألَّفوا وصنَّفوا، وحقَّقوا مسائل العلم ودقَّقوا، فهم الحجَّة فيما ألَّفوا، وقدوتنا وعمدتنا في هذه العلوم، فلا يسعُنَا إلاَّ العرفان بفضلهم والاعتراف لهم بالأسبقية والأعلميَّة، فما كان ينبغي لنا أن نتطاول