مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

المصاحف العثمانية والأحرف السبعة

الجزء ١ · صفحة ٦

عليهم أو نستدرك، غير أنَّ الحق أحقُّ أن يُتَّبع، وقديمًا قيل ما من عالِمٍ إلاَّ وفي علمه مأخوذٌ ومتروك ما عدا المعصوم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم.

إنِّي بعد طول تدبُّر وإمعان النظر في عدد من المصنَّفات، أستعرض الأقوال، وأقرأ وأُعيد، وأتدبَّر البراهين آخذًا على نفسي التزام التجرُّد والموضوعية ـــ قدر طاقتي ـــ بالرجوع إلى جذور المسألة، وأسباب المشكلة، وباستنطاق النصوص التي صحَّت في قضية جمع الخليفة الراشد ـــ الإمام عثمان بن عفَّان رضي الله عنه ـــ الصحف في المصحف الإمام وسائر المصاحف العثمانية التي أرسلها إلى الأمصار؛ كلُّ ذلك كَشَفَ لي جملة من الحجج والبراهين التي جعلتني أميل إلى القول بأنَّ المصاحف العثمانية في جملتها رُسمت على ما يوافق جميع الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم.

وإليك أخي القارئ الكريم جملة من الحجج والبراهين على ما بدا لي واطمأنَّت إليه نفسي، وأرجو من الله أن يكون صوابًا ويعصمني من الزلل.

1 - قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمُ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا اَيتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيَ أَنُ ابَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيَ إِنَ اَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (يونس/15). قال الإمام ابن كثير في تفسيرها: «أي ليس هذا إليَّ إنَّما أنا عبدٌ مأمور، ورسول مبلِّغٌ عن الله».

وقال سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن»: «فما يكون للرسول صلى الله عليه وسلم أن يبدِّله من تلقاء نفسه، إن هو إلاَّ مُبلِّغ متَّبع للوحي الذي يأتيه، وكلُّ تبديل فيه معصية وراءها عذاب عظيم». اهـ.

أقول: إنَّ رسم المصحف الإمام وسائر المصاحف العثمانية على حرفٍ واحد فقط ـــ فيما ادَّعاه بعضٌ من العلماء ـــ صورة من صُور التبديل، وحاشا الإمام عثمان وأصحابه أن يفعلوا ذلك.

2 - عثمان رضي الله عنه الذي يُنسب إليه أنَّه رسم المصاحف العثمانية على حرفٍ واحد فقط ينقل الإمام البخاري في شأنه بسنده عن ابن الزبير قال: «قلتُ لعثمان بن عفان ﴿وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد نسختها الآية الأخرى، فلِم تكتُبُها؟ أو تدعها؟ [يعني لِمَ تدًعُها مكتوبة ولا تحذِفُها؟] قال (عثمان): يا ابن أخي لا أُغيِّرُ شيئًا من مكانه» (5).

وشبيه بهذا ما ذكره الإمام الفخر الرازي في سياق تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (النساء/11) إذ يقول: «روي أنَّ ابن عبَّاس قال لعثمان: بم صار الأخوان يردَّان الأمَّ من الثلث إلى السُّدُس؟ وإنَّما قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والأخوان ــــ في لسان قومك ــــ ليسا بإخوة! فقال عثمان: لا أستطيع أن أردَّ قضاء قُضيَ به مِن قبلي ومضى في

٦ / ١٩٧