الحضور المشرقي في فقه المغاربة قراءة في المنهج
الجزء ١ · صفحة ٦٣"خلق القرآن الكريم"، التي وقع فيها جدل في كامل التراث الإسلامي، ومن جملة من لفحته نارها الوافدِة من البصرة، أهل عمان في بداية القرن الثالث الهجري، ثم انتقلت المسألة بعد ذلك إلى المغرب.
ولقد عُرف بعض التشدد من بعض العلماء في المسألة، حتى اعتبر صاحب الرأي المخالف قد جانب الطريق، وحكم عليه بأحكام المتأوِّل بالخطأ، إلاَّ أنَّ المحققين اعتبروا المسألة مجرد خلاف لفظي، لا غير، ومردُّ الحكم فيها إلى تحديد مصطلح الكلام، هل هو الكلام النفسي؟ أم هو الكلام المتلو باللسان، والمحفوظ في المصاحف؟
فإن قصدنا به الأول، فهو ولا شكَّ قديم، وإن قصدنا المعنى الثاني، فهو مخلوق، ولا مشاحة في الاصطلاح (6).
ولا نجد أيَّ مسألة أخرى من العقيدة، أو من علم الكلام، وقع فيها الاختلاف بين المشارقة والمغاربة، فهم في خطِّ واحد، وموقف واحد من المجاز، والتأويل، والتنزيه، واعتبار حجية خبر الآحاد في العمل دون العلم … وغير ذلك مما هو منشأ الاختلاف في هذا الحقل الجوهري من التقسيم المذهبي لدى المسلمين.
إنما الاختلاف في الفروع:
قال الشيخ اطفيش: "والأصل يَقطع فيه عذرَ مخالِفه والفرع بخلافه، وهو ما طريقه غلبة الظنِّ والاجتهاد. والحق في الأصل في واحد ومع واحد، والفرع الحقُّ فيه مع واحد وفي واحد، ولا يضيق على الناس خلافه" (7).
ويضيف في هذا المعنى قوله:"حتى إذا سئلنا عن مذهبنا في القوم ومذهب المخالفين وجب علينا أن نقول: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب؛ لأنَّك لو قطعت القولَ بأنَّ مذهبنا صواب فقط، ما صحّ قولنا: المجتهد يخطئ ويصيبُ، وإذا سئلنا عن ديانتنا وديانة المخالفين وجب أن نقول: الحقُّ ما نحن عليه، والباطل ما عليه مخالفونا، لأنَّ الحقَّ عند الله واحد" (8). والديانة هنا تعني العقيدة.
هذا التوسُّع في الفروع، والتسامح والتساهل فيها، ليس مما أُلف في التراث الإسلامي إلاَّ في بعض مظاهره الحضارية الراقية (9)، حيث ظلَّ المسلمون لقرون عدَّة يخطِّئون من يخالفهم في المذهب، لأجل جزئية فرعية لا تدخل في مسائل التوحيد، ولم تثبت بكتاب أو سنَّة متواترة، ومن جملة ذلك: اختلافهم في المسح على الخفين، وفي الرفع والقبض في الصلاة … وغيرها.
هذا بين مذهب ومذهب، ولقد ثبت الاختلاف داخل المذهب الواحد، بل عند العالِم الواحد، فيفتي بما يحقِّق، ثم يثبت له نقيض ذلك، ولا حرج عليه.
وكذلك كان مجتهدو الإباضية داخل مذهبهم، يسرَحون بأريحية، ويسمحون لأنفسهم بالاجتهاد دون قيود معجزة، حتى أبدعوا حركية علمية فقهية، تُوائِمُ مقتضيات الزمان والمكان، وفي هذا