مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٩٣

فخَّار، من عُمان، ومن جربة، ومن تونس، ومن القاهرة، ومن دمشق، ومن أمريكا، ناهيك عن داخل القطر شرقًا وغربًا، شمالا وجنوبا، ممَّا لا أحصيه عدًّا ولا حصرًا (1).

ويأتي في الصفِّ الأوَّل ممَّن كانوا يُراسلون الشيخ أبي اليقظان، تلميذُه وزميلُه وصديقُه الوفي الحميم: الشيخ عدُّون، ولا سيما في الفترة التي كان فيها الشيخ أبو اليقظان مستقرًّا في العاصمة فيما بين (1926 - 1940)، وهي فترة ما بين الحربين العالميتين التي طبعت الحياة في الجزائر، بل في العالم بطابعها الخاص. وقد رأيتُ أن يكون هذا البحث متناوِلا لرسائل الشيخ عدُّون إلى الشيخ أبي اليقظان في الفترة المذكورة للأسباب التالية:

أوَّلاً: يُعدُّ الشيخ عدُّون من أهمِّ صانعي الأحداث أو من المشاركين فيها في تلك الفترة، ممَّا يؤهِّله ليكون شاهدًا على عصره، أمينًا على أحداثه، ودقيقًا في أخباره.

ثانيًا: صِدقُ الشيخ عدُّون وإخلاصُه ووفاؤه لما آمن به من قيم ومبادئ، وثباتُه في الميدان الإصلاحي؛ لم يتردَّد، ولم يتغيَّر، ولم يَشكُ قطُّ طوال عمره المديد الذي بارك الله له فيه فتجاوز المائة بخمس سنوات، وهو كالطود الشامخ رسوخًا وثباتًا.

ثالثًا: في هذه الفترة (1930 - 1940) كان الشيخ عدُّون في عنفوان شبابه، ونضارة عمره، وقمَّة عطائه، وحيويَّة تحرُّكاته ونشاطه (في العقد الرابع من عمره).

رابعًا: عملُه المهني في التدريس، ومسؤوليتُه في الإشراف على الحركة التربويَّة والتعليميَّة، وقربُه الحميم الدائم من أستاذه الشيخ بيُّوض ـ زعيم الحركة ـ في المدرسة، والمعهد، والنادي، والمسجد (2)، وملازمته اللاصقة به حتَّى كان يُطلق على نفسه (التَّانْبَرْ) أي طابع البريد الذي لا تُرسل الرسالة بدونه، ممَّا أهَّله ليكون مقرِّرا وفيًّا، وشاهدا أمينا على كثير من الأحداث (3).

خامسًا: مشاركته الفعَّالة في صحافة أبي اليقظان بالمقالات الكثيرة، والرأي والتدبير وكتابة افتتاحيات كثير من جرائد أبي اليقظان: النور، المغرب، الأمَّة، النبراس، ولا سيما موضوع الحركة الإصلاحيَّة ممَّا يؤهِّله ليكون مطَّلعا على خلفيات الكثير من تلك المقالات ودواعي كتابتها، وما وراءها من أسباب مباشرة أو غير مباشرة.

سادسًا: كانت هذه المراسلات أسبوعيَّة تصل إلى القرارة يوم الخميس، وتغادرها يوم السبت، وهي قلَّما تخلَّفت عن موعدها، ممَّا يجعلها سِجِلاًّ تاريخيًّا حافلا يكاد يكون يوميًّا لكلِّ مجلات الحياة بالوادي، في مناحيها السياسيَّة، والدينيَّة، والاجتماعيَّة، والثقافيَّة.

ومن هنا نلحظ كيف أنَّ هذه الرسائل تتوزَّعها عدَّة محاور؛ فهي أخبار ذات طابع ديني؛ مثل ما يلقى في المسجد من دروس، أو طابع سياسي؛ مثل حركة الحكَّام العسكريين والقيَّاد، أو طابع تربوي؛ مثل أخبار التلاميذ والمدرسة والمعهد، أو ذات طابع اجتماعي؛ مثل الوفيات والنزاعات، أو ذات طابع اقتصادي؛ مثل غلاء المعيشة أو رخصها والقحط والخصب وحملات "زقرير" وغير

٩٣ / ١٩٧