مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٩٤

ذلك، أو ذات طابع إخواني أُسري؛ مثل جلسات النادي، وقدوم الإخوان من ميزاب، والنجاحات والإخفاقات وغير ذلك.

سابعًا: تُمثِّل هذه الرسائل جانبًا أدبيًّا مهمًّا لمن شاء دراسة هذا الجانب، لأنَّها كانت تجدُ اهتمامًا كبيرًا من كُتَّابها ومن قرائها على السواء، ومن ثمَّ كانوا يحتفلون بصياغتها، كما كانوا يعقدون الجلسات الحميميَّة لقراءتها والتعليق على ما فيها، وكثيرًا ما كانت تلك الجلسات في النادي، أو في منزل أحد الإخوان يصحب كلَّ ذلك: الظرف والشاي؛ ففي إحدى الرسائل نقرأ ما يلي:

« … قد اتَّصل الكتاب بيد الأخ بوحجَّام ومعه الخيَّاط، واستبشروا به لضخامته فظنُّوه حافلا بالأخبار، وارتقبوا خروجي من المسجد قبل الزوال، فاختطفوني لمجرَّد خروجي، واشترطتُ عليهم ألاَّ يُقرأ إلاَّ عشيَّة بين هالة من الإخوان حيث يطيب المجلس والشاي … » (4).

ومن ثمَّ نلحظ أنَّ إلحاح الشيخ عدُّون على أستاذه كان كلَّ مرَّة قويًّا ليداوم على المراسلة الأسبوعيَّة، ويفصِّل فيها تفصيلا، وبقدر ما كان يطير فرحا لكلِّ بريد يصله، بقدر ما كان يتأسَّف تأسُّفا حارًّا لتأخُّر أجوبة أستاذه عنه، فقد جاء في الرسائل ما يأتي:

«وَدِدْنا لو أطلقتَ العنان لقلمك السيَّال فيفيض علينا بالتفاصيل، إجابةً لرغبتك في إتحاف إخوانك بكلِّ جديد، ولعلَّنا لا نَعْدِمُ هذا القلم وهذه الرغبة منك بعد أن استقرَّ بك المقام (5)، واتَّجه سير الأعمال في الطريق المعبَّد، واطمأنَّ بك البال، فقد بقينا منقطعين في جوف الصحراء؛ لا وِرْدَ ولا كلأ، فاعطفوا على مساكينكم فهم أحقُّ الناس بالعطف … » (6).

ونظرًا لتزاحم الموضوعات التي تحتوي عليها هذه الرسائل، وهي حوالي خمسين رسالة فإنِّي أكتفي ـ لأنَّ المقام لا يسمح بغير ذلك ـ بفهرست في آخر البحث أُورد فيه قائمة بتاريخ هذه الرسائل، وأستخرج منها أهمَّ الأحداث والأخبار المحتوية عليها (7). كما أنِّي سألحق البحث ببعض النماذج التي تقدِّم صورة وافية عن طبيعة هذه الرسائل وأسلوبها واهتماماتها. ولكنِّي قبل هذا وذاك سأتناول بالدراسة شخصية الشيخ عدُّون كما تبدو لي في رأيي المتواضع من خلال هذه الرسائل.

فكيف يتجلَّى لنا الشيخ عدُّون من خلال هذه الرسائل؟

1 ـ الإخلاص:

لعلَّ أوَّل صفةٍ يتميَّز بها الشيخ عدُّون وهو في فورة الشباب، ونظارة العمر هو الشيخ عدُّون نفسه بعد أن تجاوز المائة من عمره! ثباتًا على المبدأ، ووفاءً للصداقة، وتفتُّحا على كلِّ جديد لا يتنافى مع القيم والثوابت الدينيَّة والأخلاقيَّة، وهو الناظر إلى المستقبل دومًا، المتسامح الذي يفتح قلبه لكلِّ أصدقائه وأبنائه وتلامذته وزملائه، لا يحمل غلاًّ ولا حقدًا ولا حسدًا. وهذه الصفة أي ميزة الإخلاص، وحسن النيَّة التي طالما عُرف بها الشيخ عدُّون واشتهر، حتَّى قال فيه الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلِّي: «إنَّه الإخلاص يمشي على رجليه»؛ ومن أجل هذه الخاصيَّة ظلَّ الشيخ عدُّون في

٩٤ / ١٩٧