كتاب السِّير للشّيخ أحمد الشّمّاخي والبعد التّربوي فيه
الجزء ١ · صفحة ١٦٥كتاب السِّير للشّيخ أحمد الشّمّاخي
والبعد التّربوي فيه
أ. د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام
رئيس جمعيّة التّراث
bouhed@yahoo.com
تمهيد
إنّ موضوع السّيرة يُعْنَى أساسًا بحياة فردٍ، في مختلف أبعاد شخصيّته الجسميّة والاجتماعيّة والعقليّة والعاطفيّة والتّاريخيّة، تقدّم بطريقة تتيح للقارئ التّعرّف على هذه الجوانب. هذه الشّخصيّة غالبًا ما تكون من العباقرة أو العظماء أو الأدباء أو الشّعراء أو السّياسيّين، أو من الرّجال الاجتماعيّين .. الذين أثروا الحياة، أو أثَّروا في محيطهم. أو تركوا آثارًا مهمّة للتّاريخ، تشكّل نقطًا مضيئة في حياة البشر. وقد يكون في هذه السّير ما هو سلبي وغير مقبول، أو ما يكشف عن ضعف أو نقص أو خروج عن الفطرة، أو نشاز في العمل، أو شذوذ في السّلوك .. وغير ذلك …
يقول الدّكتور سالم المعوش في تعريف السّيرة: "هي من الفنون الأدبيّة التي تتّخذ القصّ شكلاً تعبيريًّا، يراد به الحديث عن حياة شخصيّة ما بأسلوب مشوّق، يراعي تاريخها في وجودها الخاصّ والعام، يكتبها أفراد عن أنفسهم وحياتهم وأعمالهم وآثارهم .. أو يكتبون عن سواهم. يتابعون فيها تطوّرها ومراحلها المختلفة وتحوّلاتها في الزّمان والمكان، من حالة إلى أخرى، مراعين وجود الشّخصيّة ضمن بيئتها وعلاقاتها بهذه البيئة .. " (1) هذا هو المفهوم العام للسّيرة كما عرفت في الكتابات العربيّة، أمّا مفهومها عند الإباضيّة - فبحسب استقرائنا لِما اطّلعنا عليه من بعض السّير التي كتبت، بخاصّة في القديم، - فيتميّز بخصوصيّة، لها علاقة بالحياة التي عاشها الإباضيّة، والظّروف التي تقلّبت فيها مسيراتهم، والأحوال التي مرّت بهم، وطبيعة أنشطتهم التي أملتها أسباب خاصّة، ووفقَ الأهداف التي سطّروها …
قال محمد حسن" كما اقترن ظهور كتب السّير الإباضيّة مع الأخطار التي كانت تحدق بهذه الجماعات بجنوب إفريقيّة، وتهدّد وجودها في كثير من الأحيان، مفضية إلى انحسار تدريجيّ لها، في مجال ضيّق، وهو ما مثّل نوعًا
(1). الدّكتور سالم المعوش، الأدب العربي الحديث، دار النّهضة العربيّة، 1432هـ/ 2011م، ص: 389.
من المثاقفة الدّفاعيّة لهذه الأقليّات، إزاء الضّغوطات الخارجيّة والدّاخليّة." (كتاب السّير للشّمّاخي، ص: 19). (هذه الملاحظة في حاجة إلى توضيح ومناقشة، فما رأي الدارسين فيها).
إذن إنّ مفهوم السّيرة ودلالاتها عند الإباضيّة تختلف عن مفهومها عند بقيّة المسلمين .. فهي تتجاوز المحتوى التّاريخي إلى تناول الجوانب المختلفة، من عقيدة وفقه وسياسة وحضارة وتربية وتعليم، واقتصاد واجتماع .. وتتضمّن توجيهات ووصايا وإرشادات ومواقف ومشاهد، وذكر فضائل ومناقب وكرامات وغيرها .. ما يكشف عن حقيقة الفكر الإباضي. قال الدّكتور تواتي بن تواتي (من الجزائر) عن سير المشايخ للشّمّاخي - مثلاً - إنّ الكتاب احتوى على جوانب عديدة: عقديّة وفقهيّة واجتماعيّة وتربويّة واقتصاديّة وسياسيّة .. وغيرها، أي كان شاملاً لمختلف متطلّبات الحياة، وبعبارة أخرى هو مشروع دولة … خاصّة وأنّه كتب في عصر عرفت فيه منطقة المغرب الإسلامي اضطرابات كثيرة: سياسيّة واجتماعيّة وغيرها. (1)
لهذه الخاصيّة كانت سير الإباضيّة متميّزة، ولهذا السّبب - أيضًا - كانت دراستها ضرورة حضاريّة، وواجبًا أكيدًا، واستحقّت أن تنال هذه الحظوة وهذا الاهتمام … في هذا المقال نقدّم تعريفًا بكتاب السّير للشّيخ الشّماخي، مع ذكر ملاحظات عن البعد التّربوي فيه ..