مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

الأمن (الشرطة) في عهد الرستميين

الجزء ١ · صفحة ١٧٦

الأمن (الشرطة)

في عهد الرستميين

أد/ إبراهيم بن بكير بحاز

كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية

جامعة غرداية

bahazhistory@yahoo.com

الأمن هذه النعمة التي قد لا يشعر بها الآمن على نفسه وماله وعياله، إلا إذا زالت عنه، وحينها

فقط ينتابه الخوف والرعب ويتملكه القلق، فلا النهار نهار ولا الليل ليل، ولا كل الحياة حياة، لذلك نبه الله قريشا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيمة هذه النعمة، ومن خلال قريش نبهنا الله إلى عظيم نعمةِ ومنةِ الأمن فقال عز وجل: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾ (1)

ولا أبالغ إن قلت نحن جل معشر الجزائريين اليوم، وربما الأخص منهم الذين لم يدركوا عهد الاستعمار وعهد الثورة العارمة بالذات (1954 ـــ 1962)، لم نكن نعرف معنى لقيمة الأمن، إلا بعد أن فقدناه في عشرية التسعينيات من القرن الماضي (1990 ـــ 1999)، فاستغاث الكثيرون منا ينادون السلمَ السلمَ، الأمنَ الأمنَ … وإن الجزائر قد مرت في تاريخها الوسيط بمثل تلك الظروف العصيبة من انعدام الأمن، ذلك في أواخر القرن الثالث الهجري، التاسع للميلاد: عهد الدولة الرستمية (160 - 296هـ/777 - 909م) فماذا وقع في تيهرت الرستمية؟ وما هو الجهاز الذي قضى على تلك الفتنة؟ وكيف تم الأمر؟ أسئلة نجيب عنها في هذا البحث: "الأمن في العهد الرستمي"، وإنه موضوع جدير بالدراسة ولا شك.

بداية نبدأ بمن على كاهله حفظ الأمن في الدولة وهم الشرطة، نعرّف بهم:

فالشرطة هم الرجال الذين يُعتمد عليهم في حفظ الأمن، والقبض على الجناة والمفسدين، والضرب على أيدي المريبين وتأديبهم، وما يتصل

(1). سورة قريش.

بذلك مما يكفل سلامة الناس وأمنهم على أنفسهم وأموالهم، وأول من أسس نظام الشرطة في الإسلام هو عمر بن الخطاب (1).

بعكس بعض الوظائف في الجهاز الإداري للرستميين، كالكاتب والبريد، اللذين اكتشفنا وجود المنصب والوظيفة دون وجود التسمية الرسمية، فإن الشرطة وُجدت بمصطلحها وبمهامها الموكولة إليها، بارزة لم نحتج معها إلى إبرازها أو إعمال العقل لتفسيرها كما هي عادتنا في كثير من المهام الإدارية لدى الرستميين.

لقد وجُد عند الرستميين بتيهرت وبجبل نفوسة جهاز الشرطة يرأسه صاحب الشرطة، بل وُجد في فترة من الفترات صاحبا شرطة أي اثنان وليس واحداً.

فمنذ عهد مؤسس الدولة عبد الرحمن بن رستم (160ــ 171ه)، يذكر ابن الصغير أصحاب شرطة هذا الإمام ويصفهم بأنهم "قائمون بما يجب" (2)، وأن الإمام يصرف مرتباتهم من أموال الخراج والجزية، مرتبا واحداً في السنة.

وفي عهد الإمام عبد الوهاب (171ــ 208هـ) نجد طائفة من الرعية البدوية في تيهرت وأحوازها، تتصل بأبنائها من نفس القبيلة يقطنون تيهرت وذلك أثناء موسم الربيع لما تنتجع من

١٧٦ / ٢٣٨