أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وسائر المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٥٢أسماء الذم
بين مقصد حفظ الدين وسائر المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية
د. مصطفى بن محمد شريفي
مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربيَّة
جامعة نزوى - سلطنة عُمان
mucherifi@unizwa.edu.om
مقدمة:
الحمد لله القائل في محكم تنزيله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (1). والصلاة والسلام على رسوله الذي مدحه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (2)، وبقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (3). أمَّا بعد:
فإنَّ هذه الورقة البحثيَّة تتناول «أسماء الذمِّ بين مقصد حفظ الدين وبين حفظ سائر المقاصد الكلِّيَّة للشريعة الإسلاميَّة»، والمقصود بأسماء الذمِّ ما يتنابز به المسلمون فيما بينهم من تكفير وتفسيق وتبديع، وما في معناها، وما يترتَّب عليها من أحكام بالتعدِّي على حرمات المسلم والإنسانيَّة. والمقصود بالمقاصد الكلِّيَّة: حفظ النفس، والعقل، والنسل، والمال، وكذا القيم العليا مثل: الحرِّيَّة والرحمة والعدالة.
ولا شكَّ أنَّ خاصِّيَّة الربَّانيَّة التي تمتاز بها الشريعة الإسلاميَّة - مصدرا ومنهجا وغاية - يجعل من المستحيل التناقض بين نصوصها القطعيَّة الآمرة بحفظ المقاصد الكلِّيَّة، وبين النصوص التي يستند عليها من يدعو إلى التنافر بين المسلمين، بإصدار أسماء وتوظيفها على المخالفين في بعض المسائل الكلاميَّة أو السياسيَّة أو الفكريَّة …
ولا يخفى أنَّ الدافع الأساس وراء إصدار تلك الأسماء وتوظيفها هو: دعوى المحافظة على الشريعة الإسلاميَّة (حفظ الدين)؛ وعليه فالإشكال المطروح هو: كيف يمكننا التوفيق بين تلك الدعوى - حفظ الدين، وهو مقصد قطعيٌّ من حيث المبدأ - وبين سائر المقاصد الكلِّيَّة التي جاءت الشريعة الإسلاميَّة لحفظها؟ فأين الخلل؟ هذا ما تسعى هذه المداخلة إلى الجواب عنه.
وسنحاول في هذه المداخلة المرافعة عن الأطروحة الآتية: إنَّ الخلل يكمن في سوء فهم الشريعة الإسلاميَّة، أو ادِّعاء القطعيَّة واليقين في قضايا هي في الأصل اجتهاديَّة، ولا يجوز أن تكون سببا في إقصاء كلِّ النصوص القطعيَّة الداعية إلى وحدة المسلمين ونبذ الفُرقة، والموجبة حفظ دماء الناس وأموالهم وأعراضهم … مع إعطاء نماذج من الماضي والحاضر.
أسأل الله أن يوفِّقنا جميعا إلى ما يحبُّه ويرضاه، ويهدينا سبل السلام.
مدخل
1 - علاقة الأسماء والأحكام بمقاصد الشريعة:
أجمع علماء المقاصد على أَنَّ الشريعة الإسلاميَّة جاءت لحفظ الكلِّيَّات الخمسة (4)، وَلِكُلٍّ من هَذِهِ الكلِّيَّات علاقة بموضوعنا:
- فحفظ الدين والعقل مقصدان رئيسان في موضوعنا، وهو الجانب الأوَّل من ورقتنا هذه؛ فَإِنَّ التمييز بين الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ، وبين الملزم وغير الملزم، وبين الأصل والفرع، وبين الدين والرأي … يهدف أساسا إلى حفظ الدين والعقل من التشوُّهات الفِكرِيَّة التي تراكمت عَلَيْهِ عَبْرَ قرون من