أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وسائر المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٦٤ولا التسليم عليهم، ولا مناكحتهم، ولا أكل ذبيحتهم، ولا الصلاة عليهم، لا نصيب لهم في الإسلام، ووجوب استتابتهم فإن تابوا وإلاَّ قُتلوا، والحكم عليهم بالخلود في النار، ولا يخلَّد في النار ـ عند أهل السُّنَّة ـ إلاَّ المشركون.
فهذه الأحكام تدلُّ على أَنَّ الكفر المقصود هو المخرج من المِلَّة، ويؤدِّي إلى فقدان المكفَّر كُلَّ حقوقه باعتباره مسلمًا موحِّدًا، وهو موقف أخطر بكثير ممَّا ذهب إليه قدماء الإباضيَّة، حيث يحافظ المكفَّر عندهم - كفر نعمة بسبب خلاف كلاميٍّ - على كُلِّ حقوق المسلمين، إلاَّ الولاية، وهي في أصلها قلبيٌّ، لا تظهر آثاره في السلوك العمليِّ إِلاَّ قليلا.
وهذا التسرُّع في التكفير أزمة الفكر الإسلاميِّ عمومًا، نتيجة ظروف الصراع الفكريِّ المحتدم، والتعصُّب (1)، ونقص الالتزام بضوابط التكفير، كـ «معرفة حجج الخصم، وارتفاع موانع تكفيره، ومعرفة شبهه واعتذاراته من قوله لا من نقل خصمه» (2)، وكذا ضوابطُ التحرِّي والتبيُّن المطلوبان شرعيًّا ومنهجيًّا (3). قال أحد الباحثين ما ملخَّصه: لقد اكتشفنا خطأنا إذ كفَّرنا أبا حنيفة وأصحابه، فهذا يدعونا إلى مراجعة تكفيرنا لفرق أخرى كالشيعة والمعتزلة والصوفيَّة والأشاعرة وغيرهم، وقد اكتشفنا خطأنا في النقل ونسبة أقوال إلى أبي حنيفة هو بريء منها؛ «فمعنى هذا أنَّ عندنا خللاً في النقل، فنصحِّح الروايات في تشويه الخصم ولا نتفهَّم حجَّة الطرف الآخر، ولا نسمع له، ونكفِّر بأشياء ليست مكفِّرة، أو نكفِّر بإلزامات لا يجوز التكفير بها، فلازم القول ليس بقول، وهذا أيضًا كُلُّهُ ممَّا ينبغي أن يُدرس، لننقد أنفسنا قبل نقد الآخرين، ولنعرف مدى قولنا بالباطل وتصديقنا له، ومدى تفهُّمنا لحجَّة الطرف الآخر» (4). وهذا الكلام ينبغي أن يقوله كُلُّ باحث نزيه لأتباع فرقته.
وأمَّا التسرُّع والتعميم في الحكم بالتفسيق والتضليل والتبديع فلا شكَّ أنَّ المطَّلع على التراث وعلى مواقع الإنترنت سيجد أمثلة كثيرة من هذا القبيل. وقد استعرض البستيُّ في كتابه «البحث عن أدلَّة التكفير والتفسيق» عدَّة أدلَّة
(1). ينظر: علاَّل: التعصُّب المذهبي، ص32 - 41.
(2). حسن المالكي: قراءة في كتب العقائد، ص108.
(3). ينظر: بازمول: التكفير وضوابطه، ص19 - 51. محَمَّد الحسن الدَّدو الشنقيطي: فقه العصر، ص47 - 49.
(4). حسن المالكي: قراءة في كتب العقائد، ص108.
ـ أغلبها عَقلِيَّة ـ على التكفيرات والتفسيقات المتبادلة بين فرق المسلمين، وتوصَّل في أغلبها إلى أَنَّهَا ليست صحيحة (1).
ومثل هذه الأسماء والأحكام الخطيرة قد تلقَّفتها بعض الجماعات المتطرِّفة، واستندت إليها في