الفاضل محمد بن يزيد المبرد

فصل في الحسد

الجزء ١ · صفحة ٣٠

أعارَك مالَه لتقومَ فيه … بطاعته وتقضيَ فَضلَ حقِّهْ

فسلم تشكره نعمتَه ولكن … قوِيتَ على معاصيه برزقِهْ

تجاهره بها عَوْداً وبدءاً … وتستخفي بها من شرِّ خلْقِهْ

وقال بعض الظرفاء:

وزهّدني في كل خير فعلتُه … إلى الناس ما جرّبتُ من قلّة الشكر

إذا أنت لم تنظر لنفسك حظَّها … أحاطت بك الأشياءُ من حيث لا تدري

وكان الناس يحبون أن يُحمدوا على ما أَولَوا، وأن يُظهروا الشكر لهم على ما قدموا، وأن يكون ذلك في غير وجوههم. ويروى أن أعرابياً دخل على هشام بن عبد الملك فأثنى عليه، فقال: إنا لا نحب أن نُمدح في وجوهنا، قال: لست أمدحك، ولكني أحمد الله فيك، وأنشد:

شكري كفعلك فانظر في عواقبه … تعرفْ بفضلك ما عندي من الشكرِ

وقال آخر:

فلو كان للشكر شخص يَبين … إذا ما تأمّله الناظرُ

لمثَّلتُه لك حتى تراه … فتعلمَ أنّي امرؤٌ شاكرُ

وقال آخر:

كنتُ أثني على معاوية الأو … سيّ قبل العطاء خيرَ الثناء

فأراني بعد البلاء تناهي … تُ وخير الثناء بعد البلاء

ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال لي جبرائيل عليه السلام: من أسديتَ إليه معروفاً فكافأ فذاك، ومن عجز عن ذلك فأثنى فقد كافأ " . وأنشد:

ثمن الصنيعة شكر صاحبها … والشكر شيء ما له ثمنُ

وقال آخر:

ولا يُشترى الحمدُ أمنيّةً … ولا يُشترى الحمد بالمِقْصرِ

ولكنه يُشترى غاليا … فمن يُعطِ أثمانَه يشترِ

ومن يعتَطِفْهُ على مِئزرٍ … فنعم الرداءُ على مئزرِ

ويروى أن عبد الله بن العباس - وكان من الأجواد - أمر لسائل سأله بعشرة آلاف درهم، فصُبّت في حجره فتخرّق ثوبه، فبكى، فقال له: أعلى قميصك تبكي؟ فقال: لا والله ولكن على ما يأكل التراب منك، فقال: شكرك أحسن من صنيعتنا، يا غلام أعطه مثلها. ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: من شكر استحق الإحسان، ومن أحسن استحق الشكر. ولقد أحسن أبو نواس حيث يقول في كلمة له:

أنت امرؤ طوّقتَني مِننا … أوْهَتْ قُوى شُكري فقد ضَعُفا

لا تُسدِينَّ إليَّ عارفةً … حتى أقومَ بشكر ما سلفا

وقال آخر:

سأشكر عَمْراً ما تراخت منيّتي … أياديَ لم تُمْنَنْ وإن هيَ جَلَّتِ

فتى غير محجوب الغنى عن صديقه … ولا مُظهر الشكوى إذا النعل زلَّتِ

رأى خَلّتي من حيث يخفى مكانها … فكانت قذى عينيه حتى تجلّتِ

إذا استُقبلت منه المودة أقبلتْ … وإن غُمزت منه القناة اكفهرّتِ

وقال آخر:

شكرتُك إن الشكر مني سجيّةٌ … وما كل من أوليتَه نعمةً يقضي

ونبّهتَ من ذكري وما كان خاملا … ولكن بعض الذكر أنبه من بعضِ

وقال آخر:

جلّت أياديك عن الذكر … فحار في معقولها شكري

ما تنقضي منك يدٌ ثَيّبٌ … حتى تُثنِّي بيدٍ بِكرِ

فالشكر في عُرفك مستهلك … كقطرة في لُجّة البحر

لم يعْفُ معروفك عندي ولا … يعفو إلى المَبعَث والحشر

وشكر أعرابي رجلاً فقال: ذاك من شجر لا يُخْلِف ثمره، ومن ماء لا يُخاف كدَرُه. وشكر آخر رجلاً فقال: الحمد لله على توفيقه إياك في إعطائي، وعلى توفيقه إياي في مسألة مثلك، أعاشك الله صالحا. وقال بعض الحكماء: الشكر بالغ ما بلغ أدق من الصنيعة كائنةً ما كانت؛ لأن الشكر فرع من فروع الصنيعة، ولها وعنها كان، ولولا الصنيعة لم يكن شكر.

قد أردنا أن نصل كتابنا بما شرطناه على أنفسنا من ذكر ما ينتفع به من يأخذه عنا، وينشره من ينسُبه إلينا، وقد أتينا منه بعض ما أردنا وقصدنا، وكرهنا الإطالة، وخفنا على قارئه السآمة، وأشفقنا أن يبلغ به حدَّ المجاوزة؛ فإن الإكثار سرَف، كما أن التقصير عجز. ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: من أطال الحديث عرّض أصحابه للسآمة وسوءِ الاستماع.

ونحن خاتمو كتابنا هذا بباب يشتمل على فنون من الآداب، ويتضمن بعض ما نستحسنه من الأخبار والأشعار التي يشاكل بعضها بعضاً، ونضيف إلى ذلك من العظات الموجزة، والأمثال السائرة، والأشعار الموزونة. وبالله الحول والقوة.

باب يشتمل على فصول

فصل في الحسد

٣٠ / ٣٨