الفاضل محمد بن يزيد المبرد

فصل آخر في الجمال

الجزء ١ · صفحة ٣٥

وحدثني هارون عن نصر بن علي عن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أفصح الناس سافلة قريش وعالية تميم، قال: وكنا نسمع أصحابنا يقولون: أفصح الناس تميم وقيس وأزد السراة وبنو عذرة.

وحدثني علي بن القاسم الهاشمي قال: رأيت قوماً من أزْد السراة لم أر أفصح منهم، وكانوا يلبسون الثياب المصبّغة، قلت لأحدهم: ما حملك على لُبس المصبَّغ؟ قال: ابتغاء الحُسن.

وحدثني علي بن القاسم عن أبي قِلابة الجَرْميّ قال: رأيت قوماً من بني الحارث بن كعب لم أر أفصح منهم. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عليه الوفودُ فأقرأ الأخماس كل خُمس على لغته فكان أعرَبَ القوم تميم. وعنه عليه السلام أن عمر بن الخطاب قال له: ما رأيت أفصح منك، قال: " بيدَ أنّي من قريش ونشأت في بني بكر بن سعد بن هوازن " . ويروى غير " بيد أني " ، " من أجل أني " . قال أبو العباس: وكل عربي لم تتغير لغتُه فصبح على مذهب قومه، وإنما يقال: بنو فلان أفصح من بني فلان، أي أشبه بلغة القرآن ولغة قريش، على أن القرآن نزل بكل لغات العرب. ويروى عن ابن عباس أنه قال: كنت لا أدري ما الفَتّاح حتى سمعتُ ابنة ذي يزن تقول لخصم لها: هلمّ فاتِحْني، أي حاكِمْني، فعلمت أن الحاكم الفَتّاح. وكنت لا أدري ما " فاطر السماوات " حتى سمعت أعرابياً ينازع في بئر فقال: أنا فطرتها، يريد أنشأتها.

وكان أبو محلم من أفصح من رأيت لساناً، وحدثني قال: جئت يونس بن حبيب النحوي فسألتُه عن هذا الحديث: " خير المالِ سِكّة مأبورة ومُهْرة مأمورة " فقال: هذا من لغاتكم يا بني سعد، ويقال: خير المال نِتاج أو زرع، فأنشدته:

لهفي على شاة أبي السِّباقِ … عتيقة من غنمٍ عِتاقِ

مرغوسةٍ مأمورة مِعناق … تُحلَب رِسْلاً طَيبَ المذاقِ

فكتبه يونس على ذراعيه وقال: إنك لجيّاء بالخير. قال أبو محلّم: المرغوسة النامية، وأنشد للعجّاج:

إمامَ رَغْس في نِصابِ رَغْس … من نسلِ مروانَ قَريعِ الإنسِ

وابنة عباس قريعِ عَبْس

وحدثني عن الأصمعي قال: رأيت امرأة من بني تميم لم أر أفصح منها، فسمعتها تدعو على أخرى وتقول: إن كنتِ كاذبة فحلبتِ قاعدة. قال: رِعية الغنم عندهم ضَعَة فإنها تتمنى لها ذلك.

وحدثني الزيادي قال: قالت امرأة: مررت بالبادية فرأيت أبياتاً، فقصدتها فقامت امرأة هنالك، وإذا نسوة يتضاحكن، فقلت: ما يُضحككن؟ قلن: هذه التي توارت ميُّ صاحبة ذي الرمّة. قالت: فقلت: فقد والله كنت أشتهي أن أراها، فالآن لا أبرح حتى أراها، فدعونها فلم تجبهنّ، فأقسمن عليها فخرجت وهي تقول: شهّرني غيلانُ شهّره الله. فلم أكبرها حين رأيتها، فلما تكلمتْ ورأيتُ فصاحتَها علمت أن ذا الرمة قصّر في وصفها.

وحدثني علي بن القاسم قال: قلت لأعرابي فصيح: ما معنى قولهم في المثل: " كاد العروس أن تكون أميراً " لمَ كاد ذاك؟ قال: لأن الأكفاء يخدمونها في تلك الحال. ومن أمثالهم - روى ذلك أبو عبيدة - أن إبليس تصوّر لابنة الخُسّ فقال لها: أسألك أو تسألينني؟ فقالت له: سل، قال لها: كاد، فقالت: كاد النعام أن يطير، فقال لها: كاد، قالت: كاد المنتعل أن يكون راكباً. قال لها: كاد، قالت: كاد العروس أن يكون أميراً. ثم قال لها: سليني، قالت: عجبتُ، قال: من الحجارة لا يشيب صغيرها ولا يهرم كبيرها، قالت: عجبتُ، قال: من السَّبِخة لا يجفّ ثراها ولا ينبت مرعاها، قالت: عجبتُ، قال: من حِرِك لا يُبلَغ حفرُه، ولا يُدرَك قعرُه، قالت: اعزُب عليك لعنة الله. ويروى أن ابنة الخُسّ كانت بليغة فصيحة.

وحدّث محمد بن سلاّم عن يونس النحوي قال: النحويون يغلطون في ثلاثة أشياء؛ يقولون في نكاح أم خارجة: " خِطْب " فتقول: " نِكْح " ، وإنما هو نُكْح، ويقولون: ابنة الخُسّ، وإنما هو الأخُسّ، مثل الأرُزّ، ويقولون: " ليس لحاقن رأي " ، وإنما هو ذِهْن. ويقال: رجل خَسّ ورجال أخُسّ، من الخسة.

وحدثني المازني وغيره قال: أمّ خارجة امرأة ولدت زُهاء عشرين حيّاً من العرب، وآخر من نكحها عمرو بن تميم، وذلك أنه أتاها فسبق أهلَها الذين أرادوا أن يمنعوه منها مثل ما يسبق الراكبُ الراجلَ، فقال لها: خِطْب، قالت: نُكْح، في قول يونس فجاءوها فوجدوها قد تزوجت.

فصل آخر في الجَمال

٣٥ / ٣٨