الفاضل محمد بن يزيد المبرد

فصل آخر

الجزء ١ · صفحة ٣٦

يروى عن ابن كُناسة قال: الجَمال في الأنف، والحُسن في العينين، والمَلاحة في الفم. وقال ابن عباس وقد سئل عنه المحدّثين كذا وعن بني أمية فقال: نحن أصبَحُ وأسمَحُ وأفصَح، وقال آخر:

يُروى حديثٌ عن نبيّ الهدى … يحكيه عن أسلافنا حاملوهْ

أن رسول الله في مجلس … قال وقد حَفّ به حاضروهْ

إذا سألتم أحداً حاجةً … فالتمسوها من صِباح الوجوهْ

وكان يقال: إن الجمال كان من قريش في ثلاثة: مصعب بن الزبير، وطلحة بن عبيد الله، وعمرو بن سعيد بن العاص، إلا أن ابن الرقيّات قال لما أنشد عبد الملك:

يعتقد التاجَ فوق مَفْرِقه … على جبين كأنه الذهبُ

فقال: أما مصعب بن الزبير فتقول فيه:

إنما مصعبٌ شهابٌ من الل … ه تجلّت عن وجهه الظلماءُ

ويروى أنه كان يقال له الدِّيباج. وكان يقال: لم يُر أزواجٌ قطّ أحسن من ثلاثة: عائشة بنت طلحة ومصعب بن الزبير، ولبابة بنت عبد الله والوليد بن عتبة، وجعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عُمَيس. ويروى أن لبابة قالت: ما نظرت وجهي قطّ في مرآة ونظرتُ معي امرأة إلا رحمتُها من حسن وجهي؛ حتى تزوجت الوليد بن عُتبة فنظر معي في المرآة فرحمتُ نفسي من حُسن وجهه. ويروى عن ابن عباس رحمة الله عليه قال: قدم الوليد بن عتبة المدينةَ فكأن وجهه ورقةُ مصحف، وكأن منطِقَه نظمُ خَرَز، فلم يبق بها راجل إلا حمله، ولا فقير إلا أعطاه. وذكر النسّابون أن لبابة بنت عبد الله بن عباس كانت عند عباس بن علي بن أبي طالب فولدتْ له عبيد الله بن العباس، ثم قتل عنها مع الحسين بن علي صلوات الله عليهما، فتزوجها الوليد بن عتبة وهو يومئذٍ أمير المدينة ومكة، فولدت له القاسم بن الوليد، وهلك عنها الوليد، فتزوجها زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

ويروى أن عبد الله بن جعفر والحسين بن علي وعبد الله بن عمر ومصعب بن الزبير وجّهوا بحُبَّى المدنيّة إلى أربع نسوة تخطبهن لهم: عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين، وأم البنين، وامرأة ذهب عني اسمها، فأتتهن حُبَّى وأعلمتْهن بما قصدت له، فكلٌّ قال ما فيمن ذكرتِ أحد يرغب عنه، قالت لهن: ولكن بيني وبينكن شريطة، قلن: وما هي؟ قالت: تمشي كل واحدة منكن بين يديّ متجرّدة. فأبين عليها، فأدلّت عائشة بنت طلحة بما عندها من الجمال، فتجرّدت ومشت. فلما رجعت حُبَّى إليهم أعلمتهم بما رجعت به منهن ومن عائشة، فقالوا: كيف رأيتِها حين تجرّدت؟ قالت: مشت فما بقيت في بدنها شحمةٌ إلا تحركت، فتزوجها مصعب بن الزبير، فشرطت عليه ألا تستر وجهها عن أحد، وقالت: لا أخفي ما رزَقَنيه الله من الجمال.

وقال الهيثم بن عديّ: أخبرنا يونس بن إسحاق قال: كان الجمال من أهل الكوفة في ثلاثة نفر: الأشعث بن قيس الكنديّ، وعديّ بن حاتم الطائيّ، وجرير بن عبد الله البجليّ، فدخلتُ مأدُبةً في السَّبيع فرأيت هؤلاء الثلاثة، فما رأيت بَيضَ نعام ولا طريدةَ ظبي ولا تمثالاً إلا وما رأيت من هؤلاء الثلاثة أحسنُ. وقال الهيثم: وكلٌّ أعور. قال يونس: فأما الأشعث بن قيس فأصيبت عينه يوم اليرموك، وأما عديّ بن حاتم فأصيبت عينه يوم الجمل، وأما جرير فأصيبت عينه بهَمَذان.

فصل آخر

٣٦ / ٣٨