فصل آخر في الفصاحة
الجزء ١ · صفحة ٣٤فقلت للأُسَيدي: والله لقد أوجعكم - يعني في الهجاء - ، فقال: يا أحمق أوَ ذاك يمنعه من أن يكون شاعراً! ويروى أن الفرزدق كان حسن التديّن محمود السيرة، وأنه كان إذا ضحك فاستُغرب في الضحك التفت كأنه يخاطب ملَكَيْه، فقال: أما والله لأُسمعنّكما خيراً: لا إله إلا الله والحمد لله وأستغفر الله. ويروى أنه اجتمع هو والحسن البصري في جنازة فقال الفرزدق للحسن: يا أبا سعيد، أتدري ما يقول الناس؟ قال: لا، قال: يقولون اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، فقال الحسن: كلا لستُ بخيرهم ولستَ بشرهم، ولكن ما أعددتَ لهذا الموضع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة، فقال الحسن: خذها والله من غير فقيه، ثم أنشأ الفرزدق يقول:
أخاف وراء القبر إن لم يُعافِني … أشدّ من القبر التهاباً وأضيقا
إن قادني نحو القيامة قائدٌ … عنيفٌ وسَوّاقٌ يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدمَ من مشى … إلى النار مغلولَ القِلادة أزرقا
يُقادُ إلى نار الجحيم مُسَربلاً … سرابيلَ قَطْرانٍ لباساً مُمزّقا
إذا شربوا فيها الصديدَ رأيتَهم … يذوبون من حرِّ الجحيم تحرّقا
فلما مات الفرزدق رُؤي في المنام فقيل: ما صنع بك ربُّك؟ فقال: غفر لي، فقيل: بماذا؟ قال: بالكلمة التي نازعنيها الحسن على شفير القبر. ويروى أن أبا هريرة قال له: إني أرى لك قدمين لطيفين فانظر أن تجعل لهما موضعاً لطيفاً يوم القيامة، ومهما صنعت من شيء فلا تقنط من رحمة الله.
وحدثني الرياشي قال: هجا الفرزدق ابنَ هبيرة لما وُلّي فقال:
أميرَ المؤمنين وأنت بَرٌّ … بذاك ولستَ بالطَّبِع الحريص
أأطمعتَ العراق ورافِدَيْه … فزارياً أحدَّ يدِ القميص
ولم يكُ قبلها راعي مخاض … ليأمنَهُ على وَرِكَيْ قَلوص
تفَيْهَقَ في العراق أبو المثنّى … وعلّم قومه أكل الخَبيص
فبينما ابن هبيرة قاعد ينظر وجهه في المرآة قالت له الجارية: أصلح الله الأمير، قد قدم أمير آخر، فقال: لا إله إلا الله، هكذا تقوم الساعة، وكان القادم خالد بن عبد الله القَسْري، فأراد خالد أن يعذب ابن هبيرة، فقال ابن هبيرة: أنشدك الله أن تستنّ في سنّة هي تُستنّ فيك غداً، إن القوم الذي ولوك هم القوم الذين عزلوني، فقال: لا حاجة لي في عذابك، فحبسه. وكان لابن هبيرة مولى من الدهاة، فنقَب من داره إلى حبس ابن هبيرة، وهرب به إلى مسلمة بن عبد الملك، فاستجار به، فدخل مسلمة على أخيه يزيد أو هشام، فقال: يا أمير المؤمنين إن لي حاجةً - وكانت تُقضى في كل يوم ثلاث حوائج - فقال: نعم كل حاجة لك مقضية ما خلا ابن هبيرة، فقال: ما عودني أمير المؤمنين أن يستثني عليّ، فلم يزل به حتى أجابه. وقدم خالد بن عبد الله فأمر مسلمةَ بتلقّيه، وكان فيمن تلقّاه ابنُ هبيرة، فقال خالد: يابنَ هبيرة أإباق كإباق الأمَة! فقال ابن هبيرة: أنَوْمٌ كنوم العبد! وفي ذلك يقول الفرزدق:
ولما رأيت الأرضَ قد سُدّ ظهرها … ولم يبقَ إلاّ بطنها لك مخرجا
دعوتَ الذي ناداه يونسُ بعد ما … ثَوى في ثلاثٍ مظلمات ففرّجا
خرجت ولم يمنُنْ عليك طلاقةً … سوى رَبِذِ التقريب من آل أعوجا
فأصبحت تحت الأرض قد سِرتَ سَيرةً … وما سار سارٍ مثلها حينَ أدلجا
فقال ابن هبيرة: ما رأيت أكرم من الفرزدق، هجاني أميراً ومدحني أسيراً.
فصل آخر في الفصاحة
حدثني الرياشي عن الأصمعي قال: قلت لعيسى بن عمر: أنا أفصح من معَدّ بن عدنان: قال لي: تجاوزتَ، فأنا أفصح منك، فقلت له: كيف ينشد هذا البيت:
قد كُنَّ يكْنُنّ الوجوهَ تستُّرا … فالآن حين بدأْنَ للنُّظّار
أو بَدَيْن؟ فقال لي: بدأْن، فقلت له: لم تُصب، لأنه يقال بدا يبدو، وبدأ الشيءَ يبدؤه إذا أنشأه واستأنفه، والصواب: حين بَدَوْن.
وحدثني هارون بن عبد الله المهلبي قال: حدثني نصرُ بن علي بن عبد الله عن أبيه - وكان أبوه قرينَ سيبويه - قال سمعت الخليلَ بن أحمد يقول: أفصح الناس أزْد السراة.