فصل آخر
الجزء ١ · صفحة ٣٢حدثني الرياشي أن بني عبد الملك بن مروان كانوا إذا انصرفوا من دار أبيهم مضوا مع أكبرهم حتى يشيعوه، فإذا فارقوه مضى الباقون مع أسنّهم حتى يرجع آخرهم وحده. ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حقّ كبير الإخوة على إخوته كحق الوالد على ولده " . ويروى في الحديث أن يعقوب لما دخل على يوسف تقدم يوسف أباه في المِشية، فأوحى الله: يا يوسف تقدمت أباك في المشية، جعلتُ عقوبتك ألا يخرج من نسلك نبي. ويروى أن غلاماً يقال له ذرّ احتُضر فحضر أبوه فقال وهو بين يديه يجود بنفسه: ذرّ، لئن مُتّ لما في موتك علينا غَضاضة، ولئن عشت لما بنا إلى غير الله حاجة. فلما مات وقف على قبره ثم قال: اللهم إني قد غفرتُ لذرّ ما قصّر فيه من واجب حقّي، فاغفر له ما قصر فيه من واجب حقك، فلما انصرف من قبره سئل كيف كانت عِشرته معك؟ فقال: ما مشى معي في ليل قط إلا كان أمامي، ولا في نهار إلا كان ورائي، ولا ارتقى سقفاً كنتُ تحته.
ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحسن والحسين: " هما سيّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما " . ويروى أنه قيل لعليّ بن الحسين: إنك أبرّ الناس وأتقاهم، فما بالك لا تأكل مع والدتك في صحفة واحدة؟ فقال: أكره أن تقع عينها على لقمة فأحاول أخذها وأنا لا أعلم فأكون قد عققتها. ويروى أن عليّاً كان أبرّ الناس وأتقاهم، وكان إذا سافر كتم نسبَه، وستَر وجهَه، فقيل له في ذلك فقال: أكره أن آخذ برسول الله مالا أُعطى مثله. وكان يقول: ما أكلتُ بنسبتي من رسول الله درهماً قط.
وحدثني الرياشي قال: قال سعيد بن المسيّب: كنت وأنا صغير ألعب مع عليّ بن الحسين عليه السلام بالمَداحي، فكان إذا غلبني ركبني وإذا غلبتُه يقول: أتركب ابن رسول الله عليه السلام. والمداحي أصلها من الدحو، وهو المرّ السهل، وهي المواضع التي تنتضل بها العرب بينهم، لأنهم يرمون بالواحدة فتقع موضعاً ثم تمرّ مرّاً سهلاً حتى تدخل في الحفرة. وحدثني أصحابنا جميعاً عن الأصمعي قال: قلت لابن أقيصر: ما خير الخيل؟ قال: الذي إذا استدبرته حَبا، وإن استقبلته أقعى، وإن استعرضته استوى، وإذا عدا دحا، وإذا مشى ردى، قلت: وما الرَّدَيان؟ قال: مشي الحمار بين آرِيّه ومُتَمَّعكه. وقالت الأنصار: فقدنا صدقة السر مذ مات علي بن الحسين صلوات الله عليه.
وحدثني مسعود بن بشر قال: قال طاوس: رأيت علي بن الحسين ساجداً في المسجد بمكة، فقلت: رجل من آل النبي عليه السلام، أمضي فأصلي خلفه، فمضيت فدنوت منه، فسمعته يقول: " عبدك بفنائك، فقيرك بفنائك، مسكينك بفنائك " ، فتعلمتُهنّ فما دعوت بها في كرب قطّ إلا فُرّج عني.
وحدثني التوزي عمّن حدثه قال: قال عليّ بن الحسين: لقد ابيضت عينا يعقوب من أقل مما نالني؛ وذلك أنه فقد واحداً من اثني عشر، وأنا رأيت ثلاثة عشر من لُحمتي قتلوا بين يديّ.
وروي عن جابر بن سليمان الأنصاري عن عمه عثمان بن صفوان الأنصاري قال: خرجنا في جنازة علي بن الحسين رحمة الله عليهما، فتبعتْنا ناقتُه تخطّ الأرض بزمامها، فلما صلينا عليه ودفناه أقبلت تحنّ وتتردّد وتريد قبره، فأوسعنا لها، فجاءت حتى بركت عليه وجعلت تفحص بكِرْكرتها وتحنّ، فوالله ما بقي أحد إلا بكى وانتحب، وقال: وبلغنا أنه حجّ عليها ثماني عشرة حجة أو تسع عشرة حجة لم يَقْرعها بعصا.
وكان يقال لعلي بن الحسين: ذو الخِيرَتين، لأن أمه كانت ابنة يزدجرد؛ وتأويل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز ولجل من خلقه خيرتين: من العرب قريش، ومن العجم فارس " . وكان الأصمعي يحدّث أن ابنة يزدجرد جاءت علي بن أبي طالب في مائة وصيفة، فقال علي: أكرموها فإنها حديثة عهد بنعمة فقال لها: تزوجي بالحسين ابني، فقالت: بل أتزوجك أنت، فقال لها: الحسين شاب، وهو أحق بالتزويج مني، فقالت: مثلي لا يملكه من يُملَك. وزعم عمر بن الخطاب أنه ليس أحد أذكى من أولاد السراري، لأن لهم عز العرب وتدبير العجم. ويقال لولد السُّرية الهجين، وهو الذي أمه أمة وأبوه عربي شريف. وأنشدني الرياشي:
إنّ أولاد السراري … كثُروا يا ربّ فينا
ربّ أدخلني بلادا … لا أرى فيها هجينا
فصل آخر