فصل آخر في تفضيل الكبير
الجزء ١ · صفحة ٣١حدثني التوزي قال: قال معاوية بن أبي سفيان: كل إنسان أقدر أن أُرضيه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها. وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد، غمٌّ دائم، ونفَس متتابع. وكان يقال: الحاسد إذا رأى نعمة بُهت، وإذا رأى مصيبةً شمت. وكان يقال: من علامات الحسود أن يتملّق الرجلَ إذا حضر، ويغتابه إذا غاب، ويشمت بالمصيبة إذا نزلت. وكان يقال: ستة لا تخطئهم الكآبة: فقيرٌ حديثُ عهد بغنىً، ومُكثر يخاف على ماله التلف، والحسود، والحقود، وطالبُ مرتبة فوق قدره، وخليطُ أهل أدب غير أديب. وقال بعض الحكماء لبنيه: إياكم والحسد فإنه يبيّن فيكم ما لا يبيّن على عدوّكم. وقال معاوية: ليس في خلال الشر خَلّة أعدل من الحسد فإنه يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود. وقال ابن المقفع: الحسد خُلُق دنيء، ومن دناءته أنه يبدأ بالأقرب فالأقرب
حسدوا النعمة لمّا ظهرت … فرمَوْها بأباطيل الكَلِمْ
وإذا ما اللهُ أسدى نعمةً … لم يَضِرْه قولُ حُسّاد النِّعم
ومن الدعاء: اللهم إني أعوذ بك من الكمَد، ومن الانطواء على الحسد، ومن صاحبٍ لا يُقيل عثرة، ولا يقبل معذرة، ومن صديق يمدح في المُحيّا ويغمِز في القفا، ومن جارٍ مؤذٍ، وولد عاقّ، وأمَة خائنة، وعبد آبقٍ، وعاقر غَيْرَى. وكان يقال: لا يوجد العجول محمودا، ولا الغضوب مسرورا، ولا الحرّ حريصا، ولا الكريم حسودا، ولا الشرِهُ غنيّا، ولا الملول ذا إخوان.
فصل في كتمان السر
أنشدني بعض أصحابنا:
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرَّها … فسِرّك عند الناس أفشى وأضيع
وقال آخر:
ليس سِرّي يجاوز الدهرَ قلبي … كل سرّ يجاوز القلب فاشِ
وحدثني الرياشي قال: يروى أن عثمان بن عَنبسة بن أبي سفيان أسرّ إلى معاوية سرّاً، فأتى أباه عنبسةَ فقال: إن معاوية أسرّ إلي سراً، فأحدثك به؟ قال: لا، قال: ولمَ؟ قال: لأن الرجل إذا كتم سرّه كان الأمر إليه، وإذا أذاعه فالأمر عليه، ولا تجعلن نفسك مملوكاً بعد أن كنت حرّاً، قال: أفيدخل هذا بين الأب وابنه؟ قال: لا يا بنيّ، ولكن أكره أن تذلِّل لسانك بإفشاء السر، قال فأتى معاويةَ فذكر ذلك له، فقال: أعتقك أخي من رِقّ الخطأ، وأنشد:
دسّت إليّ رسولاً لا تكن عَجِلاً … واحذر هُديتَ وأمرُ الحازمِ الحذَرُ
إني رأيت رجالاً من ذوي رَحِم … هم العدوّ بظهر الغيب قد نذَروا
إن يقتلوك كفاك القتل قادرُه … والله جارُك مما يُزمع النفَرُ
فالسرّ يكتمه الخِلاّنِ بينهما … وكلّ سرّ عدا الخِلّين منتشِرُ
وقال قيس بن الخطيم:
فإن ضيّع الإخوان سِرّي فإنني … كَتومٌ لأسرار الصديق أمينُ
يكون له عندي إذا ما اتهمتُه … مكان بسوداء الفؤاد مكينُ
وقال بعض المحدثين:
لعمرك ما استودعتُ سرِّي وسرَّها … سوانا حذاراً أن تضيع السرائرُ
ولا لاحظتْها مقلتاي بلحظة … فتفهمَ نجوانا العيون النواظرُ
ولكن جعلتُ الوهمَ بيني وبينها … كلاماً فأدّى ما تُجِنُّ الضمائرُ
وقال آخر:
ولا تُخبر بسرّك بل أمِتْه … وصَيِّرْ في حَشاكَ له حجابا
فما استودعت مثلَ النفس سرّا … ولا أغلقت مثلَ الصدر بابا
وقال العباس بن الأحنف:
أيا من سروري به شِقوةٌ … ومَن صفو عيشي به أكدرُ
أظنّك جرّبتَني بالصدود … دِ عمداً لتعلمَ هل أصبرُ
أمنّي تخاف انتشار الحديثِ … وحظّيَ في سِتره أوفر
ولو لم أصُنْه لبُقْيا عليك … نظرتُ لنفسي كما تنظرُ
فصل آخر في تفضيل الكبير