فصل آخر
الجزء ١ · صفحة ٣٣حدثني مسعود بن بشر في إسناد متصل قال: اجتمع الفرزدق وجرير والأخطل والبَعيث بباب بشر بن مروان بالكوفة، فدخل عليه داخل فأخبره بمكانهم، وأعلمه أنه لم يُر مثلُهم بباب ملِك قط، فأذِن للفرزدق ثم لجرير ثم للأخطل، وأمسك عن البَعيث، فقال له الرجل: إن البعيث معهم، فقال: إنه ليس كهؤلاء، ثم أذن للبعيث، فلما دخل مثَلَ بين يديه فقال: أيها الأمير، إن الناس قد تحدثوا بالباب أنك أذِنت لهؤلاء لفضل رأيتَه لهم عليّ، قال: أو ما تعلم ذاك؟ قال: لا والله ولا الله يعلمه، قال: فأنشدني، قال: أو أخبرك من معايبهم بما تستغني به عن الإنشاد، فقال: هات، قال: أما هذا القرد - يعني الفرزدق - فقد قال في هجائه ابن المراغة - يعني جريراً - :
فمالك بيت الزِّبْرِقان وظِلّه … ولا لك بيت عند قيس بن عاصم
بأي رِشاءٍ يا جرير وماتحٍ … تدلّيتَ في تلك البحور الخضارم
فجعله تدلّى عليهم، وإنما أتاهم من تحتهم لو كان يعقل. وأما هذا - يعني ابن المراغة - فقال في هجائه هذا القرد يعني الفرزدق:
لَقوميَ أحمى للحقيقة منكمُ … وأضربُ للجبار والنقعُ ساطع
وأوثقُ عند المُرْهَقات عشيّة … لَحاقاً إذا ما جرّد السيف لامع
فجعل نساءه قد أُردفن وفضحهنّ ووثِقن باللحاق. وأما هذا الكافر - يعني الأخطل - فقال في وقعة نجا منها أسيراً، وأقر على نفسه وقومه بالذل:
لقد أوقع الجحاف بالبِشر وقعة … إلى الله منها المُشتكى والمُعوّل
فوصله يومئذٍ وحرمَهم. فحلف جرير أنه لم يقل: وأوثق عند المردفات، وإنما قال: عند المُرهَقات. والشيء يذكر بالشيء، أنشدني مسعود بن بشر لأحمد أخي أشجع السلميّ يمدح نصر بن شَبَث:
لله سيف في يدي نصرِ … في متنه ماء الردى يجري
أوقع نصر بالسواجير ما … لم يُوقع الجحّاف بالبِشْرِ
أُبكى بني بكر على تغلب … وتغلباً أُبكى على بكرِ
وقيل لبشر بن مروان: أيُّما أشعر، جرير أم الفرزدق أم الأخطل؟ فقال: والله ما كان الأخطل مثلهما، ولكن أبت ربيعة إلا أن تجعله ثالثاً، قال: أجرير أم الفرزدق؟ فقال: إن جريراً سلك أساليب من الشعر لم يسلكها الفرزدق، ولقد ماتت النوار وكانوا ينوحون عليها بشعر جرير. وكان الأصمعي يقول: قال أبو عمرو بن العلاء: الأخطل ثم الفرزدق ثم جرير، وكان أبو عبيدة يقول بمثل قول أبي عمرو. ويروى أن الفرزدق قال للنوار: أنا أشعر أم جرير؟ قالت: إنك لشاعر وإن جريراً والله لشاعر، قال لها: أتُقسمين على جرير! قالت: إنه والله غلبك على حُلوه وشاركك في مُرّه. وسئل ابن دأب عن جرير والفرزدق فقال: الفرزدق أشعر عامة وجرير أشعر خاصة. وسئل يونس بن حبيب عنهما فقال أبو عبيدة للسائل: أنا أخبرك عنه، الفرزدق أشعر. قال يونس: ما شهدت مشهداً قط ذُكرا فاتفق أهل ذلك المجلس على أحدهما.
وحدّث أبو عبد الله محمد بن سلاّم الجمحي قال: رأيت أعرابياً من بني أسَيِّد أعجبني ظرفه وروايته، فقلت: أيهما أشعر عندك؟ فقال: بيوت الشعر أربعة: فخر ومدح وهجاء ونسيب، وفي كلها غلب جرير، فالفخر قوله:
إذا غضبتْ عليك بنو تميمٍ … حسبتَ الناس كلَّهمُ غِضابا
والمدح قوله:
ألستمْ خيرَ من ركب المطايا … وأندى العالمين بطونَ راحِ
والهجاء قوله:
فغضَّ الطرفَ إنك من نُميرٍ … فلا كَعباً بلغتَ ولا كلابا
والنسيب قوله:
إن العيون التي في طرفها مرَضٌ … قتلننا ثم لم يُحْيينَ قتلانا
وقال أبو عبد الله: والنسيب عندي قوله:
ولما التقى الحَيّانِ أُلقيَت العصا … ومات الهوى لمّا أُصيبت مَقاتلُهْ