فصل آخر
الجزء ١ · صفحة ٣٧حدثني الرياشي عن الأصمعي قال: كانت أم البنين بنت يزيد بن معاوية عند عبد الملك بن مروان، وكانت من أحسن الناس وجهاً وأتمّهم خَلقاً، ويروى أنه وقع بينها وبينه هجرة في أمر الدخول إليها، فمنعتْه من ذلك، فعسر عليه رضاها، فشكا أمره إلى خُريم، فضمن له أن ترضى عنه، وضمن له عبد الملك قضاءَ جميع ما يسأله إن وقع ذلك، فمضى خُريم إلى بابها وشقّ جيبه وجعل التراب على رأسه، فسئل عن خبره فذكر أن أحد ابنيه وثب على أخيه ليضربه فقتله إما عمداً أو خطأً، فبلغ الخبر عبد الملك فحكم بقتل القاتل، فذهب منه ابنان، وهو بتأديب ابنه أحق، وذكر لها حُرمته بيزيد وبها، فأرسلت إليه تُعلمه أنها مغاضبة لعبد الملك، فازداد عويلاً وبكاء، فرحمته، وأرسلت بخادم يتعرف خبر عبد الملك، فسرّ وسُرِّيَ عنه، وأقبلت أم البنين تتهادى بين وصائفها حتى تمثلت بين يديه، ثم قالت له: ما كان من حقّك أن أبتدئك بالكلام، ولكن جور حكمك حملني على ذلك، لمَ حكمت بقتل ابن خريم، لأنه قتل أخاه؟ أليس أبوه أحقّ بتأديب ابنه منك؟ ففطن عبد الملك للحيلة، فقال لها: إني لا أُمكن رعاياي من أن يقتل بعضُها بعضاً، قالت: فهبه لي، قال: فادخلي البيت، فدخلتْ، وأُلقي السِّتر، قال خريم فجئت عبد الملك فقلت: كأني بها قد قالت كذا، قال: نعم وألقى الستر، قال خريم: الوعد، قال: فما حاجتك؟ قال: تُقطِعني كذا، قال: نعم أفعل، وتُثبت ابني في العطاء، قال: أفعل، وقضى حاجته.
وحدثني مسعود بن بشر أن عبد الملك وجّه بخادم له إلى أم البنين يسألها أن تصير إليه، فأخذت في زينتها، وطال اختلاف الخادم إليه، فبُصرت به عُثامة جارية عبد الملك، فسألته عن خبره، فأعلمها انتظارَ عبد الملك لأم البنين واحتباسها عنه، فقالت له: إن أدّيت إليه ما أقول فلك عشرة آلاف درهم، فقالت: قل له: " أما من استغنى فأنتَ لهُ تَصدَّى وما عليكَ ألاّ يَزَّكى، وأمّا من جاءكَ يسعى وهوَ يخشى فأنتَ عنهُ تَلهَّى " فأخبر الخادم عبد الملك، فأرسل إليها وخلا بها دون أم البنين.
وتحدث عمر بن شَبّة عن رجاله أن عُليّة بنت المهدي كانت من أحسن النساء وجهاً وأتمهنّ خَلقاً وأسهلهنّ شعراً، ولم يكن فيها عيب غير سعة في جبينها، فاتخذت العصائب من الجوهر وغيره، واستعملها الناس بعدها. وكانت تحب خادماً للرشيد يقال له طَلّ، فبلغه الخبر، فحلف عليها ألا تُسمّيَ باسمه، فقرأت يوماً: " فإنْ لمْ يُصبْها وابلٌ " فالذي نهاها عنه أمير المؤمنين " والله بما تعملونَ بصير " . فبلغه ذلك فقال: أبتْ إلا ظَرْفاً وكانت تحب خادماً له يقال له رَشَأ، فصحّفت اسمه وقالت فيه:
وجدَ الفؤادُ بزينبا … وَجْداً شديداً مُتعِبا
فجعلتُ زينبَ سُترةً … وكتمتُ أمراً معجِبا
ويقال إنها مشت على مِيزاب طوله عشرون ذراعاً وكتبتْ إلى الخادم:
قد كان ما حُمّلتُه زمنا … يا طَلُّ من كَلَف بكم يكفي
حتى أتيتك زائراً عَتَما … أمشي على حتْفٍ إلى حَتفِ
ويروى أن المتوكل بالقصر منع طَلاًّ من الدخول لأجلها فقالت في ذلك:
متى يلتقي من ليس يُرْجى خروجُه … وليس لمن تهوى إليه دخول
ويروى سبيل.
عسى الله أن يرتاح منه برحمة … فيُشفى جَوىً من مُدنَف وعويل
ولها في الرشيد:
سلام على من يرُدّ سلامي … ومن لا يراني موضعاً لكلامِ
وماذا عليه أن يرُدّ مسلّما … إذا كان يقضي بالسلامِ ذِمامي
ويروى أنها إذا وُعظتْ وخُوِّفت ما ينالها من نكير الرشيد إن صحّ عنده خبرها أنشدت:
تالله أترك مُهجتي تَبلى … وأطبع رأيك في الهوى عقلا
ثم تقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " حُبُّك الشيءَ يُعمي ويُصِمّ " .
وعلى ذلك ما يروى عن أحد الحكماء أنه قال: الهوى يقظان والرأي نائم. وأنشد لمحمود الورّاق:
هواك ولا تُكذَبْ عليك أميرُ … وأنت رهين في يديه أسير
يسومك عصياناً وأنت تطيعه … وطاعتُه عارٌ عليك كثير
ويروى عن بزر جمهر أنه قال: الهوى غالب والمغلوب مستعبَد.
وكان عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه يقول: جاهدوا أهواءكم كما تجاهدوا أعداءكم.
ويروى لهشام بن عبد الملك ولم يقل غيرَه: