من أخبار نافع بن الأزرق
الجزء ١ · صفحة ٢٤٧أقول لها من ليلة ليس طولها … كطول الليالي ليت صبحك نورا
أخاف على نفس ابن أحوز إنه … جلا حمماً فوق الوجوه فأسفرا
جعلت لقبر للخيار ومالك … وقبر عدي في المقابر أقبرا
وأطفأت نيران المزون وأهلها … وقد حاولوها فتنة أن تسعرا
فلم تبق منهم راية يعرفونها … ولم تبق من آل المهلب عسكرا
ألا رب سامي الطرف من آل مازن … إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا
فهذا نظير ذلك. والمزون: عمان. قال الكميت:
فأما الأزد أزد أبي سعيد … فأكره أن أسميها المزونا
وقال آخر يعني الحرب:
فإن شمرت لك عن ساقها … فويهاً حذيف ولا تسأم
ويروى عن أبي عبيدة من غير وجه أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال: أرأيت نبي الله سليما صلى الله عليه وسلم، مع ا خوله الله وأعطاه، كيف عني بالهدهد على قلته وضؤولته؟ فقال له ابن عباس: إنه احتاج إلى الماء، والهدهد قناء ، والأرض له كالزجاجة، يرى باطنها من ظاهرها، فسأل عنه لذلك، قال ابن الأزرق: قف يا وقاف، كيف يبصر ما تحت الأرض، والفخ يغطى له بمقدار إصبع من تراب فلا يبصره حتى يقع فيه! فقال ابن عباس: ويحك يا ابن الأزرق! أما علمت أنه إذا جاء القدر عشي البصر.
ومما سأله عنه: " الم ذلك الكتاب " " البقرة: 1 - 2 " ، فقال ابن عباس: تأويله: هذا القرآن.
هكذا جاء، ولا أحفظ عليه شاهداً عن ابن عباس، وأنا أحسبه أنه لم يقبله إلا بشاهد، وتقديره عند النحويين: إذا قال: ذلك الكتاب أنهم قد كانوا وعدوا كتاباً؛ هكذا التفسير، كما قال جل ثناؤه: " فلا جاءهم ما عرفوا كفروا به " " البقرة: 89 " ؛ ويعني بذلك اليهود، وقال: " يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " " البقرة: 146 " ، فمعناه: هذا الكتاب الذي كنتم تتوقعونه. وبيت خفاف بن ندبة على ذلك وفزارة، فعمد ابنا حرملة: دريد وهاشم المريان عمد معاوية، فاستطرد له أحدهما، فحمل عليه معاوية، فطعنه، وحمل الآخر على معاوية فطعنه متمكناً، وكان صميم الخيل ، فلما تنادوا معاوية: قال خفاف بن ندبة - وهي أمه، وكانت حبشية، وأبوه عمير، وهو أحد بني سليم بن منصور - : قتلني الله إن رمت حتى أثأر به، فحمل على مالك بن حمار - وه سيد بن شمخ بن فزارة - فطعنه فقتله، فقال خفاف بن ندبة:
وإن تك خيلي قد أصيب صميمها … فعمداً على عيني تيممت هالكا
وقفت له علوى وقد خام صحبتي … لأبني مجداً أو لأثأر هالكا
أقول له والرمح يأطر متنه … تأمل خفافاً إنني أنا ذلكا
يريد: أنا ذلك الذي سمعت به. هذا تأويل هذا.
وقوله: يأطر متنه أي يثني. يقال: أطرت القوس آطرها أطراً، وهي مأطورة. وعلوى: فرسه.
ومما سأله عنه قوله عز وجل: " لهم أجر غير ممنون " " فصلت: 8 " ، فقال ابن عباس: غير مقطوع، فقال: هل تعرف ذلك العرب؟ فقال: قد عرفه أخو بني يشكر حيث يقول:
وترى خلفهن من سرعة الرج … ع منيناً كأنه إهباء
قال أبو العباس: منين، يعني الغبار، وذلك أنها تقطعه قطعاً وراءها.
والمنين: الضعيف المؤذن بانقطاع، أنشدني التوزي عن أبي زيد:
يا ريها إن سلمت يميني … وسلم الساقي الذي يليني
ولم تخني عقد المنين
يريد الحبل الضعيف، فهذا هو المعروف. ويقال: منين وممنون، كقتيل ومقتول، وجريح ومجروح. وذكر التوزي في كتاب الأضداد أن المنين يكون القوي، فجعله فعيلا من المنة، والمعروف هو الأول.
وقال غير ابن عباس: " لهم أجر غير ممنون " " فصلت: 8 " لا يمن عليهم فيكدر عندهم.
ويروى من غير وجه أن ابن الأزرق أتى ابن عباس يوماً فجعل يسأله حتى أمله، فجعل ابن عباس يظهر الضجر، وطلع عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة على ابن عباس، وهو يومئذ غلام، فسلم وجلس، فقال له ابن عباس: ألا تنشدنا شيئاً من شعرك؟ فأنشده:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر … غداة غد أم رائح فمهجر!
بحاجة نفس لم تقل في جوابها … فتبلغ عذراً والمقالة تعذر
تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع … ولا الحبل موصول ولا القلب مقصر