الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

من أخبارهم يوم النهروان

الجزء ١ · صفحة ٢٣٥

فإنه تسمى هذه السياط التي يعاقب بها السلطان الأصبحية، وتنسب إلى ذي أصبح الحميري، وكان ملكاً من ملوك حمير، وهو أول من اتخذها، وهو جد مالك بن أنس الفقيه رضي الله عنه.

والنجدية تنسب إلى نجدة بن عويمر، وهو عامر الحنفي، وكان رأساً ذا مقالة مفردة من مقالات الخوارج، وقد بقي من أهلها قوم كثير. وكان نجدة يصلي بمكة بحذاء عبد الله بن الزبير في جمعه في كل جمعة، وعبد الله يطلب الخلافة، فيمسكان عن القتال من أجل الحرم.

للراعي في عبد الملك بن مروان

قال الراعي يخاطب عبد الملك:

إني حلفت على يمين برة … لا أكذب اليوم الخليفة قيلا

ما إن أتيت أبا خبيب وافداً … يوماً أريد ببيعتي تبديلا

ولا أتيت نجيدة بن عويمر … أبغي الهدى فيزيدني تضليلا

من نعمة الرحمن لا من حيلتي … إني أعد له علي فضولا

وفي هذه القصيدة:

أخذوا العريف فقطعوا حيزومه … بالأصبحية قائماً مغلولا

قوله:

وأزرق يدعو إلى أزرقي

يريد من كان من أصحاب نافع بن الأزرق الحنفي، وكان نافع شجاعاً مقدماً في فقه الخوارج، وله ولعبد الله بن عباس مسائل كثيرة، وسنذكر جملة منها في هذا الكتاب، إن شاء الله.

وقوله:

على دين صديقنا والنبي

فالعرب تفعل هذا، وهو في الواو جائز، أن تبدأ بالشيء والمقدم غيره ، قال الله عز اسمه: " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " " التغابن: 2 " ، وقال: " يا معشر الجن والإنس " " الرحمن: 33 " ، وقال: " واسجدي واركعي مع الراكعين " " آل عمران: 43 " . وقال حسان بن ثابت:

بهاليل منهم جعفر وابن أمه … علي ومنهم أحمد المتخير

يعني بني هاشم ومن كلام العرب: ربيعة ومضر وقيس وخندف وسليم وعامر، وأصحاب نافع بن الأزرق هم ذوو الحد والجد . وهم الذي أحاطوا بالبصرة حتى ترحل أكثر أهلها منها، وكان الباقون على الرحلة ، فقلد المهلب حربهم، فهزمهم إلى الفرات، ثم هزمهم إلى الأهواز، ثم أخرجهم عنها إلى فارس، ثم أخرجهم إلى كرمان، وفي ذلك يقول شاعر منهم في هذه الحرب التي صاحبها الزنج بالبصرة، يرثي البلد، ويذكر المنقبة التي كانت لهم.

قال الأخفش: أنشدنيه يزيد المهلبي لنفسه:

سقى الله مصراً خف أهلوه من مصر … وماذا الذي يبقى على عقب الدهر !

ولو كنت فيه إذ أبيح حريمه … لمت كريماً أو صدرت على عذر

أبيح فلم أملك له غير عبرة … تهيب بها أن حاردت لوعة الصدر

ونحن رددنا أهلها إذ ترحلوا … وقد نظمت خيل الأزرق بالجسر

ومن يخش أطراف المنايا فإننا … لسنا لهن السابغات من الصبر

فإن كريه الموت عذب مذاقه … إذا ما مزجناه بطيب من الذكر

وما رزق الإنسان مثل منية … أراحت من الدنيا ولم تخز في القبر

وفي هذا الشعر:

ليشكو بنو العباس نعمى تجددت … فقد وعد الله المزيد على الشكر

لقد جنبتكم أسرة حسدتكم … فسلت على الإسلام سيفاً من الكفر

وقد نغصتهم جولة بعد جولة … يبيتون فيها المسلمين على ذعر

وقال عبد الله بن قيس الرقيات:

ألا طرقت من أهل بثنة طارقه … على أنها معشوقة الدل عاشقه

تبيت وأرض السوس بيني وبينها … وسولاف رستاق حمته الأزارقه

إذا نحن شئنا صادفتنا عصابة … حرورية أضحت من الدين مارقه

من أخبارهم يوم النهروان

وكان مقدار من أصاب علي صلوات الله عليه منهم بالنهروان ألفين وثماني مائة، في أصح الأقاويل، وكان عددهم ستة آلاف، وكان منهم بالكوفة زهاء ألفين ممن يسر أمره ولم يشهد الحرب، فخرج منهم رجل بعد أن قال علي رضوان الله عليه: ارجعوا وادفعوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتلة وشرك في دمه! ثم حمل منهم رجل على صف علي، وقد قال علي: لا تبدأوهم بقتال، فقتل من أصحاب علي ثلاثة وهو يقول:

أقتلهم ولا أرى عليا … ولو بدا أوجره الخطيا

٢٣٥ / ٣٣٦