الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

الفتوى فيمن أصاب صيدا وهو محرم

الجزء ١ · صفحة ٢٢٩

وابن المراغة حابس أعياره … مرمى القصية ما يذقن بلالاً

فسمعه بلال، فلما تقدم مع خصمه قال له بلال: أعد علي إنشادك، فغمزه بعض الجلساء، فقال الرجل: إني والله ما أدري من قاله، ولا فيمن قيل؟ فقال بلال: أجل، هو أسير من ذاك، هلما فاحتجا.

وقال جرير:

مررت على الديار فما رأينا … كدار بين تلعة والنظيم

عرفت المنتأى وعرفت منها … مطايا القدر كالحدأ الجثوم

وقال آخر:

لقد تبلت فؤادك إذ تولت … ولم تخش العقوبة في التولي

عرفت الدار يوم وقفت فيها … بريح المسك تنفح في المحل

باب

من أخبار الخوارج

في بيعتهم لعبد الله بن وهب الراسبي

قال أبو العباس: ذكر أهل العلم من الصفرية أن الخوارج لما عزموا على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي من الأزد، تكره ذلك، فأبوا من سواه، ولم يريدوا غيره. فلما رأى ذلك منهم قال: يا قوم، استبيتوا الرأي، أي دعوه يغب .

وكان يقول: نعوذ بالله من الرأي الدبري.

قوله: استبينوا الرأي يقول: دعوا رأيكم تأتي عليه ليلة ثم تعقبوه، يقال: بيت فلان كذا كذا، إذا فعله ليلاً، وفي القرآن: " إذ يبيتون ما لا يرضى من القول " " النساء: 108 " ، أي أداروا ذلك بينهم ليلاً، وأنشد أبو عبيدة:

أتوني فلم أرض ما بيتوا … وكانوا أتوني بأمر نكر

لأنكح أيمهم منذراً … وهل ينكح العبد حر لحر!

والرأي الدبري: الذي يعرض بعد وقوع الشيء، كما قال جرير :

ولا يعرفون الشر حتى يصيبهم … ولا يعرفون الأمر إلا تدبرا

وكان عبد الله بن وهب ذا رأي وفهم، ولسان وشجاعة، وإنما لجأوا إليه وخلعوا معدان الإيادي، لقول معدان:

سلام على من بايع الله شارياً … وليس على الحزب المقيم سلام

فبرئت منه الصفرية، وقالوا: خالفت، لأنك برئت من القعد . والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الكاذب، ومن ذي المعصية الظاهرة.

شأنهم مع واصل بن عطاء

وحدثت أن واصل بن عطاء أبا حذيفة أقبل في رفقة، فأحسوا الخوارج، فقال واصل لأهل الرفقة: إن هذا ليس من شأنكم، فاعتزلوا ودعوني وإياهم - وكانوا قد أشرفوا على العطب - فقالوا: شأنك. فخرج إليهم، فقالوا: ما أنت وأصحابك؟ قال: مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله، ويفهموا حدوده. فقالوا: قد أجرناكم، قال: فعلمونا. فجعلوا يعلمونه أحكامهم، وجعل يقول: قد قبلت أنا ومن معي، قالوا: فامضوا مصاحبين، فإنكم إخواننا! قال: ليس ذلك لكم، قال الله تبارك وتعالى: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه " " التوبة: 6 " ، فأبلغونا مأمننا. فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قالوا: ذاك لكم، فساروا بجمعهم حتى بلغوهم المأمن.

مناظرة عبد الله بن عباس لهم

وذكر أهل العلم من غير وجه أن علياً رضي الله تعالى عنه لما وجه إليهم عبد الله بن عباس رحمة الله عليه، ليناظرهم، قال لهم: ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين؟ قالوا: قد كان للمؤمنين أميراً، فلما حكم في دين الله خرج من الإيمان، فليتب بعد إقراره بالكفر نعد له. فقال ابن عباس: ما ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه أن يقر على نفسه بالكفر! قالوا: إنه قد حكم، قال: إن الله عز وجل قد أمرنا بالتحكيم في قتل صيد، فقال عز وجل: " يحكم به ذوا عدل منكم " " المائدة: 95 " ، فكيف في إمامه قد أشكلت على المسلمين! فقالوا: إنه قد حكم عليه فلم يرض، فقال: إن الحكومة كالإمامة، ومتى فسق الإمام وجبت معصيته، وكذلك الحكمان لما خالفا نبذت أقاويلهما فقال بعضهم لبعض: لا تجعلوا احتجاج قريش حجة عليكم، فإن هذا من القوم الذين قال الله عز وجل فيهم: " بل هم قوم خصمون " " الزخرف: 58 " ، وقال عز وجل: " وتنذر به قوماً لدا " " مريم: 97 " .

الفتوى فيمن أصاب صيداً وهو محرم

٢٢٩ / ٣٣٦