من أخبار عمران بن حطان وأشعاره
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠والشيء يذكر بالشيء. وجاء في الحديث أن رجلاً أعرابياً أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني أصبت ظبياً وأنا محرم، فالتفت عمر إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال: قل، فقال عبد الرحمن: يهدي شاة، فقال عمر: أهد شاة. فقال الأعرابي: والله ما درى أمير المؤمنين ما فيها حتى استفتى غيره! فخفقه عمر رضوان الله عليه بالدرة، وقال: أتقتل في الحرم وتغمص الفتيا! إن الله عز وجل قال: " يحكم به ذوا عدل منكم " " المائدة: 95 " ، فأنا عمر بن الخطاب، وهذا عبد الرحمن بن عوف.
وفي هذا الحديث ضروب من الفقه؛ منها ما ذكروا أن عبد الرحمن بن عوف قال أولاً، ليكون قول الإمام حكماً قاطعاً ومنها أنه رأى أن الشاة مثل الظبية، كما قال الله عز وجل: " فجزاء مثل ما قتل من النعم " " المائدة: 95 " . وأنه لم يسأله: أخطأ قتلته أم عمداً؟ وجعل الأمرين واحداً. ومنها أنه لم يسأله: أقتلت صيداً قبله وأنت محرم؟ لأن قوماً يقولون: إذا أصاب ثانية لم يحكم عليه، ولكنا نقول له : اذهب فاتق الله، لقول الله تبارك وتعالى: " ومن عاد فينتقم الله منه " " المائدة: 95 " .
قول قطري بن الفجاءة لأبي خالد القناني
ورد أبي خالد عليه
من طريف أخبار الخوارج قول قطري بن الفجاءة المازني لأبي خالد القناني وكان من قعد الخوارج:
أبا خالد إنفر فلست بخالد … وما جعل الرحمن عذراً لقاعد
أتزعم أن الخارجي على الهدى … وأنت مقيم بين لص وجاحد!
فكتب إليه أبو خالد:
لقد زاد الحياة إلي حباً … بناتي، إنهن من الضعاف
أحاذر أن يرين الفقر بعدي … وأن يشربن رنقاً بعد صاف
وأن يعرين إن كسي الجواري … فتنبو العين عن كرم عجاف
ولو لا ذاك قد سومت مهري … وفي الرحمن للضعفاء كاف
أبانا من لنا إن غبت عنا … وصار الحي بعدك في اختلاف !
من أخبار عمران بن حطان وأشعاره
هذا خلاف ما قال عمران بن حطان، أحد بني عمرو بن شيبان بن ذهب بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وكان رأس القعد من الصفرية وخطيبهم وشاعرهم، قال: لما قتل أبو بلال، وهو مرداس بن أدية وهي جدته، وأبوه حدير، وهو أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، قال عمران بن حطان:
لقد زاد الحياة إلى بغضاً … وحباً للخروج أبو بلال
أحاذر أن أموت على فراشي … وأرجو الموت تحت ذرا العوالي
ولو أني علمت بأن حتفي … كحتف أبي بلال لم أبالي
فمن يك همه الدنيا فإني … لها والله رب البيت قال
وفيه يقول:
يا عين بكي لمرداس ومصرعه … يا رب مرداس اجعلني كمرداس
تركتني هائماً أبكي لمرزئتي … في منزل موحش من بعد إيناس
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه … ما الناس بعد يا مرداس بالناس
إما شربت بكأس دار أولها … على القرون فذاقوا جرعة الكاس
فكل من لم يذقها شارب عجلاً … منها بأنفاس ورد بعد أنفاس
وكان من حديث عمران بن حطان فيما حدثني العباس بن الفرج الرياشي عن محمد بن سلام أنه لما أطرده الحجاج كان ينتقل في القبائل، فكان إذا نزل في حي انتسب نسباً يقرب منه، ففي ذلك يقول:
نزلنا في نبي سعد بن زيد … وفي عك وعامر عوبثان
وفي لخم وفي أدد بن عمرو … وفي بكر وحي بني العدان
ثم خرج حتى نزل عند روح بن زنباع الجذامي، وكان روح يقرع الأضياف، وكان مسامراً لعبد الملك بن مروان أثيراً عنده ، فانتمى له من الأزد.
وفي غير هذا الحديث أن عبد الملك ذكر روحاً فقال: من أعطي مثل ما أعطي أبو زرعة! أعطي فقه أهل الحجاز، ودهاء أهل العراق، وطاعة أهل الشام.