البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

تمهيد:

الجزء ١ · صفحة ٢٥٨

قل للسائل: إن جميع ما سألت عنه متشابه لا يدرك علمه بظاهره ولا بنصه لأن النص واحد والمعاني متباينة فلابد من كشف معانيها وإيضاح سلبها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من كلمة إلا ولها وجهان فاحملوا الكلام على أحسن وجوهه" (4) وقيل لن يتفقه الرجل حتى يرى للقرآن وجوها وقال حسن: تعلموا العربية وحسن العبارة. وقيل ليس من كلمة إلا ولها وجه وفقا وظهر وبطن وإنما معنى ذلك عندنا الكلام المتشابه الذي يتفق لفظه ويختلف معناه" (5) .

وما تزال المصادر الإباضية من ذلك الحين إلى يومنا هذا تسلك نفس المسلك فتتعرض لهذه القضية عند الرد على المشبهة (6) وتفرد فصولا خاصة لتفسير ما يدل ظاهره على التجسيم في القرآن الكريم.

ومبدأ هذه المصادر اللجوء إلى التأويل اعتمادا على المجاز وعلى العرف اللغوي، وعدم الوقوف عند الظاهر كما يفعل أهل الحديث وأهل السنة- حسب ما يرويه الأشعري- الذين:" يقرون أن الله- سبحانه- يجيء يوم القيامة كما قال: ( وجاء ربك والملك صفا صفا) (39 الفجر 22) وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (50 ق 16) (7) .

فهذا تبغورين مثلا يقول:" ولو حمل القرآن على ظاهره لتناقص وتكاذب" (8) ويقول أيضا عند الرد على المشبهة:" فلما صح عندنا وعندهم أن هذا الذي ذكرنا يخرج على غير المعقول في كثير من لغات العرب نفيا عن الله الشبه والمعقول كما نفاه عن نفسه" (9) ثم استشهد بحديث: " ما من كلام إلا وله وجهان فاحملوا الكلام على أحسنه" الذي ورد في الجامع الصحيح للربيع كما ذكرنا ذلك قبل حين . (10)

ففلسفة الإباضية في فهم ما دل ظاهره على التجسيم من القرآن والسنة واضحة غاية الوضوح إذ تعتمد على سياق النص وعلى ما في اللغة من المجازات والاستعارات وتختلف اختلافا جوهريا عن الذين ينفون المجاز (11) .

وهاك تأويلهم لبعض هذه النصوص.

٢٥٨ / ٧٤٦