البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

استحالة الرؤية

الجزء ١ · صفحة ٢٨٢

التوسع في تحليل مسألتين من المتشابه: استحالة الرؤية وخلق القرآن

استحالة الرؤية

إن جاء أمر الاستواء في صيغة صرفية واحدة في السياق القرآني كما رأينا- الفعل الماضي المسند إلى المعلوم- فإن قضية الرؤية تعددت فيها الكلمات والصيغ في القرآن الكريم والحديث الشريف ولذلك تضاربت فيها الآراء بين الفرق الإسلامية أكثر من اضطرابها في شأن الاستواء إلا أن الأمر بقي في مستوى الجدل النظري ولم يتحول الى الصراع العملي والمحنة كما سيكون الأمر في قضية الكلام وخلق القرآن فما هو موقف الإباضية من قضية الرؤية ؟ وما هي النظريات العلمية المعتمدة؟ وما هو الامتداد التاريخي للقضية؟ وما هي الأدلة العقلية والنقلية على نفي الرؤية؟

النظريات العلمية المعتمدة:

تعريف الرؤية: يقول أحمد الشماخي:" حملتها ( الرؤية) على ما حققه أرسطو طاليس وأبو نصر (1) من أنها انطباع مثل صورة المدرك في العين أو على اتصال الأشعة ومن قال بغير ارتسام واتصال الأشعة فهو عين نفي الرؤية إذ لا يكون الانكشاف بالعين إلا مع اتصال شعاعها وارتسام مثله في العين" (2) .

والرؤية كما يعرفها السالمي هي:" اتصال شعاع الباصرة بالمرئي وانطباع صورة المرئي في الحدقة… ولا يطلقها العرب على العلم ونحوه إلا تجوزا لكنتة مع قرينة، وقال تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) (14 إبراهيم 4) " (3) .

فواضح إذن من خلال هذين النصين أن الاباضية اعتمدوا على النظريات اليونانية القديمة التي تقول بأن الأبصار يتمثل في انطلاق الشعاع من العين ليتصل بالمرئي ولينعكس على حدقة الرائي.

بينما نعلم أن ابن الهيثم (4) ذهب إلى عكس هذه النظرية وألح على أن القضية بالعكس أي أن الأشعة تنطلق من المبصَر (اسم المفعول) لا من المبصِر( اسم الفاعل).

٢٨٢ / ٧٤٦