الرد على شبهة الأَدِلَّة النقلية
الجزء ١ · صفحة ١٠٠ونذكِّر القاريء الكريم بالقواعد الكليَّة القطعيَّة في هذه القَضيَّة التي يَجب أن نُحاكم عليها النُّصُوص الْجزئية، وهذه القواعد تأصِّلها النُّصُوص الْمُحكَمَة كقَوله تَعَالَى: ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?، التي تَمنع قياس ذات الله تعالى بذات مَخلوقاته، وقَوله تَعَالَى: ?وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ?([1])، التي تنفي مساواة أيّ شيء لذات الله في أيّ شيء، وقَوله تَعَالَى: ?هُوَ الْأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ?([2])، وقَوله تَعَالَى: ?وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ?([3])، التي تنفي عن الله تعالى الْجِهَة والْمَكان.
وسوف نناقش الأَدِلَّة من الكتاب العزيز التي استدلُّوا بِها، ثُمَّ نعرج على استدلالهم بالروايات الْمنسوبة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم.
- أولاً: قَوله تَعَالَى: ?إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ?([4]).
وهذه الآية من الْمُتشَابه الْمحتاج إلى التأوِيل عن طريق الردِّ إلى الْمُحكَم، والدليل على ذلك هو أنَّ الكلم الطيِّب والعمل الصالح ليست مركبات فضائية، أو أجسام ترتفع وتَهبط!، وَإِنَّمَا هي أَشيَاء مَعنَوِيَّة، فإذا ابتسم الْمُسلِم في وجه أخيه -وهو عمل صالح- فماذا سيرتفع؟ هل سترتفع شفتاه أم أسنانه أم حركة عضلات وجهه؟ كُلّ هذه لا ترتفع، وَإِنَّمَا الْمرتفع هو أجر العمل، والرفع تعبير عن قبول الله تعالى ومضاعفته للأجر كما في قَوله تَعَالَى: ?يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ?([5])، والمقصود برفع الدرجات هو رفع الْمَكانة لا رفع الْمَكان، فنحن لَم نرى أحداً من المؤمنين ارتفع إلى السماء! بل العكس سبقنا أعداء الله إلى سبر أغوار الفضاء حين انشغلنا بِخرافات التجسيم الهرمسية.