البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

الحديث الآحاد والعقائد:

الجزء ١ · صفحة ١١

إنَّ هذَا النصَّ القاطِع من الكتاب العزيز يُوَضِّحُ لنا أنَّ الشخصَ الذي يَأتينا بِالخبر لا يُمكن أن نَقطَع بِصِدقه مَا لَم يَكن معصوماً كالأنبياء، أمَّا الصحابَةِ ومَن دونَهم فهم غير معصومين من الكذب والوهم والنسيان، فلهذا فإنَّ مُبلِّغ إفادَة خبر الرجل الثقة هوَ العلم الظنِّي الذي يَحتمل الصدقَ والكذبَ، ولا يُمكن أن يصلَ خَبر هذا الشخصِ الواحد - الآحادي كما في مصطلح علم الحديث - غير المعصوم إلى درجة العلم اليقيني إِلاَّ إن جاء من طريق مَجمُوعة كبيرة منَ الناسِ يَستَحيل تواطؤهم جَميعاً على الكذبِ، وهذا الخبرُ يُسَمَّى ساعتها بالخبر المتواتر.

¨ ومن الدلائل على ظنِّية الحديث الآحاد:

أَوَّلاً: العوامل البشريَّة الداخليَّة التي تَعتَوِر الراوي، وهي نوعان: إرادية: كالكذب والتدليس، ولا إرادية: كالوهم والخلط والذهول والنسيان.

وعوامل خارجية: كالحذف والبتر، وسقوط الكلمات أثناء النسخ، والرواية بالمعنى، هذه العوامل تتناقص كُلََّمَا ازداد عَدد رواة الخبر.

ولا يُجادل في هذه العوامل لظهورِ دلائلها، إِلاَّ أنَّ بعض أهل الحديث قَد يَستنكر جوازَ الوهم والنسيان للرواة، والحجَّة عَليهم وصف رَبِّ العالمين لآدم عليه السلام بِالنسيان حينَ قالَ: (;وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا);([4])، وكذلك الأمرُ بالنسبَة لِموسى عليه السلام حينَ قال:تعالى );قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا);([5]).

فإذا جازَ وصفُ الأنبياء بِالنسيان - في غير الوحي المعصوم - فكيفَ برواة الحديثِ؟ هذا إذَا سَلَّمنا بعدالَة الراوِي، وإلاَّ فالباطنُ لا يَعلَمه إِلاَّ الله، فَلرُبَّمَا كانَ هذا الرجلُ مظهراً الاستقامة، مُبطناً النفاق والعداء للإسلام كمَا هو الحالُ مَع الزنادقة.

١١ / ١٦١