البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

الحديث الآحاد والعقائد:

الجزء ١ · صفحة ١٢

وقد أقرَّ ابن خُزيمة بِجواز نسيان الصحابَة لبعض الحديثِ حَيث قال: "فأصحابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رُبَّمَا اختصروا أخبارَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إذا حدَّثوا بِها، وربَّما اقتصُّوا الحديث بتمامه، وَرُبَّمَا كان اختصاراً بعدَ الإخبار، أو بعضَ السامعين يَحفظ بعضَ الخبر، ولا يَحفظ جميع الخبر، وَرُبَّمَا نَسي بعد الحفظ بعض المتن"([6]). فإذا كان هذا هو حال الأنبياء والصحابة فكيف بِمن هم دونَهم؟!.

ثانياً: لَو كان كُلُّ خبر يفيد العلم القطعيَّ لَما تعارض خبران، ولأفاد كلاهما علم قطعي منفصل، بينمَا الواقع يُخالف ذلك، فَكَم سَمعنا من زيد ما يُخالف كلام عمرو، فتصديق النقيضين واعتقادهما من العبث، فَلهذا كانَ الخبر الآحاد ظَنِّياً، فإذا جاء خَبر آخر إمَّا أن يَعضده ويقوِّيه، أَو أن يَدمَغه ويُلغيه، وهذا هو المشاهد في واقع حياة البشر الاجتماعيَّة والعلميَّة.

ثالثاً: إنَّ تصحيح الأحاديث وتضعيفها هي أمور في أصلها ظنِّية، يقول ابن الصلاح: "ومتَى قالوا: هذا حديث صحيح، فَمعناه أَنَّهُ اتَّصل سَنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليسَ مِن شَرطه أن يكون مَقطوعاً به في نفسِ الأمر، إذ منه ما يَنفَرِد بِروايته عدد واحد"([7]).

والله تَعالى يَأمرنا في كتابه العزيز أن لا نَأخذ بدواعي الظنِّ في عَقيدتنا، بل يَجب علينا أن نَأخذ بالدلائلِ القطعيَّة والحقائقِ اليقينِيَّة لبناءِ حِصن العقيدَة الراسخِ، يَقول تَعالى: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ؟ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ);([8]).

١٢ / ١٦١