مسألة الاستواء
الجزء ١ · صفحة ١١٩وقد عوَّلوا في هذا الاستدلال على الظنِّ بأنَّ الاستواء يعني الاستقرار والجلوس، بحيث يكون معنى الآية "الله على العرش استقر"، حيث يقول خارجة: " وهل يكون الاستواء إلاَّ بجُلوس"([3])، وهذا الاستدلال عبارة عن اجترار لقاعدة إنكار المجاز في اللُّغة وإنكار التأوِيل في القرآن الكريم، ولأَنَّ هذا الْمَعنَى يوافق عقيدة الْعُلُوّ الهرمسية التي ينتحلها أهل الْحَدِيث فقد رفضوا تفسير الآية بأي معنى آخر خلاف الاستقرار أو معاني الْعُلُوّ الْحِسِّي، ونَحن إذا رجعنا إلى معاجم اللغة العربية، لوجدنا أنَّ الاستواء له عدَّة معاني، فقد قال ابن منظور (ت 711هـ): "وقَوله تَعَالَى: ?ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء?([4])، كما تقول قد بلغ الأمير من بلد كذا وكذا ثُمَّ استوى إلى بلد كذا، معناه قصد بالاستواء إليه، وقيل: استوى إلى السماء صعد أمره إليها، وفسَّره ثعلب فقال: فأقبل إليها، وقيل: استولى. الجوهري: استوى إلى السماء أي قصد، واستوى أي استولى وظهر؛ وقال:
وقال الفيروزآبادي (ت 817هـ): "واستوى: اعتدَل، واستوى الرجل: بلغ أشده، أو أربعين سنة، واستوى إلى السماء: صعد، أو عمد، أو قصد، أو أقبل عليها، أو استولى"([6]).
وقال أبو عمَّار عبد الكافي (ت :570هـ): "قول الله: ?وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ?([7])، وهو كقوله: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?([8])، وكقوله: ?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ?([9])، وهذه الكلمات الثلاثة متساوية السَّبك متقاربة الْمَعنَى، فإذا تأمَّل ذلك متأمِّل وجده كما يلي:
إنَّ قوله: ?الرَّحْمَنُ? مثل قوله: ?الله? ،ومثل قوله: ?وَهُوَ?.
وكذلك قوله: ?عَلَى? مكان قوله: ?عَلَى?، ومكان قوله: ?فَوقَ?.
وكذلك قوله: ?استََوى? مكان قوله: ?غَالِب?، ومكان قوله: ?القَاهِر?.
وكذلك قوله: ?العَرشِ? مكان قوله: ?أمره? ومكان قوله: ?عِبَاده?.