البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مسألة الاستواء

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

فهذه الكلم الثلاث متشابِهة في العبارة والإشارة([10])، وهي مفسرة لبعضها بعضاً، وخير ما يفسّر القرآنَ القرآنُ([11]).

إذاً نلاحظ مِمَّا سبق أنَّ الآيات مُجمعة على وصف ربِّ العالمين بأنه عالٍ على جَميع خلقه بقدرته وقهره وحفظه:

(بقدرته): قوله: ?وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ?([12]).

(بقهره): قوله: ?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ?([13]).

(بحفظه): قوله: ?إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ?([14]).

فقَوله تَعَالَى: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?([15])، تَجري في نفس مَجرى الآيات السابقة، فالله تعالى مستوٍ على العرش بقدرته وحفظه وقهره، لا بِجلوسه عليه كما يزعم أهل الْحَدِيث.

ربَّما يقول القائل: لِماذا خصَّ العرش بالذِّكر دون بقِيَّة الأَشيَاء؟

والجواب: أنَّ العرش هو دلالة على الْملك وقوام الأمر كلُّه بما فيه من مَخلوقات، فمتى ما أخبر الله تعالى أنه عالٍ على العرش ظاهرٍ عليه، أخبرنا أَنَّهُ عالٍ على كُلّ شئ "بقدرته وحفظه وقهره"، وهذا من باب عطف الخاص على العام كما في قَوله تَعَالَى: ?مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ?([16])، وقَوله تَعَالَى: ?فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ?([17]).

١٢٠ / ١٦١