البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

إشكاليَّة تعارض العقل والنقل

الجزء ١ · صفحة ٣٤

وانطلاقاً من منظومة الأحكام السابقة يعمد الرازي إلى استعراض النصوص التي يدلُّ ظاهرها على التجسيم، كقوله تعالى: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?([22])، فيبيَّن ضرورة تأويل الآية وإخراج الاستواء من الحقيقة إلى المجاز لاستحالة حَمل المعنى على الحقيقة. فحقيقة الاستواء الاستقرار على العرش والجلوس عليه، وهو مُحال في حقِّ الله تبارك وتعالى، ويَخلص الرازي إلى أنَّ الاستواء يعني في سياق الآية الاستيلاء والقهر والسطرة ([23]).

ويلخِّص لؤي صافي رؤيته للمنهج الكلِّي الذي استخلصه من خلال استقراءه الدقيق لفكر الفخر الرزاي بقوله: "إن القَضِيَّة التي يثيرها الرزاي هنا قَضِيَّة منهج استنباط المفاهيم والأحكام من النصوص، فنراه يرفض منهج المحدِّثين الذين يعتمدون الأخبار المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دام سندها صحيحاً، ولا يرون حاجة في النظر إلى الاتِّساق الداخلي للمفاهيم والأحكام المستنبطة من أحاديث الآحاد ذات الطبيعة الظنيَّة، ولا يبدون رغبة في التحقُّق من انسجام المعاني المستخرجة من الحديث، وتلك المستمدة من القرآن الكريم"([24]).

والقواعد التي استخرجها لؤي صافي من قراءته الدقيقة لِمنهج الفخر الرازي يلخِّصها أبو عمار عبد الكافي بن أبي يوسف الورجلاني (ت 570هـ) بالقول: "المذهب في جَميع ما سألتمونا من الآي التي تلوتُموها علينا، والأحاديث التي رويتموها لنا، فقد حَملنا جَميع ذلك على المفهوم من الكلام دون المعقول، وعلى السائغ في صفة الله تعالى، واللائق به والجائز في لغة العرب مِمَّا تقتضيه دلالة القياس دون عبارة اللفظ، ويؤكده ما سواه من نص القرآن، الذي لا يعتريه تحريف التأويل، ولا يعارضه من التفسير.

٣٤ / ١٦١