نماذج من عقائد أهل الحديث
الجزء ١ · صفحة ٥١نتيجة للامتزاج بين الفكر الإسلامي الصافي، وبين التراكمات الثقافة الموروثة عند الداخلين الجدد من أصحاب الملل المختلفة، ظهرت أمساخ مشوّهة لِحقيقة الإله عند بعض طوائف المسلمين، فالإسلام قد قرَّر أنَّ الله تعالى هو خالق الكون، وأنَّ قوانين الكون وسننه لا تَجري عليه بل قوانين الله تعالى وسننه هي التي تسير الكون وتضبطه، وأنَّ الله تعالى غنِيّ عن العالمين غير مفتقر إلى شيء منهم، وأنَّ الله تعالى له الأسماء الحسنى لا يوجد له مساو أو شبيه ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?، وَأَنَّهُ تعالى لا تُحيط به الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا تخالطه الظنون، ولا تراه العيون، سميع بصير قدير كريم متكلّم بلا جوارح أو أدوات، كما هو الحال عند المخلوقات، وحبّه وفرحه تعبير عن رضاه.
بينما ورث أتباع الأمم المغلوبَة صورة إلَه آبائهم المجسَّم، ذي الأشكال والصفات المختلفة، المستوحاة مِمَّا أَلِفوه من مشاهدات في بيئتهم، فهو إِمَّا نور كضوء الشمس، أو إنسان جبَّار في قوَّته، جَميل في هيئته، رشيق في حركته، يسكن السماء كما يسكن الناس البطحاء، وَلَمَّا لَم يستطع هؤلاء بعد دخولهم الإسلام التجرد التام من تلك الرواسب الفكريَّة، تكوَّن للإله عندهم تصوّر جديد يَمزج بين التنزيه المطلق كما قرَّره الإسلام، وبين التجسيم الذي ورثوه، وساهم في ترسيخ هذه الصورة المنحرفة دخول جَماعات التبشير التآمريَّة من اليهود والنصارى والمانوية والفلاسفة الهرمسيين الذين نشروا فكرهم بين هذه الفئة من الناس.
وقد لاقت هذه العقائد الناتجة من امتزاج الإسلام الصحيح بموروثات الأمم الأخرى مناخاً خصباً لدى عقول بعض العرب الذين تَميَّزوا ببساطة فكرية، وسذاجة فطرية، وقصور عقلي، وشلل في ملكات التدبُّر والتأمُّل، فانتشرت بينهم هذه الأفكار، وتعلَّقوا بِها وتعصَّبوا لَها كعادتهم في العصبيَّة لِكُلِّ سِمة خاصَّة بِهم، كالصحراء والجبل والخيمة والإبل.