البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مناقشة أدلة القائلين بالعلو الحسي العقلية

الجزء ١ · صفحة ٨٨

طبعاً لا يَجوز أن يكون الله تعالى هو نفس الكون؛ لأَنَّ ذلك يعني أنَّ ذاته متغيِّرة متقلِّبة لتغيُّر حالات الْمخلوقات، ولا يَجُوز كذلك أن تَكون ذاته متداخله مع المخلوقات لما يستلزمه من وصف بالتجزئة والتبعيض وملامسة القاذورات.

وكلام ابن الْقَيِّم الموافق للحق في هذه الْمقدِّمة عبارة عن توطئة لِما يريد ان يقوله لاحقاً، ولكن قبل ذلك يقول:

وإجابة البيت الأَوَّل لا يُختلف فيها مع ابن الْقَيِّم، فالله تعالى غير عباده بلا شكّ، وإجابة البيت الثاني يُوافق فيها ابن الْقَيِّم أيضاً؛ لأَنَّ الْمخلوقات لا تكون في ذات الله، ولا يكون هو تعالى في مَخلوقاته كما تَمَّ بيانه.

ثُمَّ يقول بعد ذلك:

إجابة على الأبيات من الأَوَّل إلى الرابع يقال فيها: أنَّ ذات الله تعالى لا شكَّ قائمة وحدها دون حاجة إلى ذوات الْمَخلُوقات، فالله تعالى "واجب الوجود"، بينما بقيَّة الْمَوجُودات "مُمكنة الوجود"، فالممكن الوجود هو الْمحتاج للواجب الوجود لا العكس، وذات الله لا توصف بِأَنَّهَا مثل ذات الْمَخلُوقات؛ لأَنَّ ذلك يستلزم جريان ما يَجري على الْمَخلُوقات من تغيّر وتبدّل على ذات الله تعالى، وهذا باطل؛ لأَنَّه يؤدي إلى جواز حدوثه، وإذا جاز وصفه بالحدوث يستلزم أمرين فاسدين، أولهما: أن هناك من أحدثه فالحادث مُحتاج إلى مُحدث، وهذا يستلزم إله غيره، وهذا فاسد. والثاني: جواز عدمه وهذا باطل.

كما لا يَجُوز وصف ذات الله تعالى بأنَّها ضد ذوات الْمَخلُوقات؛ لأَنَّ الضدَّ هو النقيض، والْمَخلُوقات توصف بالعلم والحياة والسمع والبصر، ونقيض هذه الصفات هو الجهل والموت والصمم والعمى، وهذه الصفات لا يَجُوز وصف ذات الله تعالى بها، ولكن نقول بأنَّ ذات الله تعالى هي غير ذات مَخلوقاته.

٨٨ / ١٦١