مناقشة أدلة القائلين بالعلو الحسي العقلية
الجزء ١ · صفحة ٨٩أَمَّا قول ابن الْقَيِّم في البيت الْخامس: إِنَّه "لولا التباين لم يكن شيئان" فكلام باطل مبنِيٌّ على قياس الغائب بالشاهد، أي قياس ذات الله الغيبية -الْمنَزَّهه عن مشابهة الْمَخلُوقات- بِمخلوقاته!، وفي هذا ردّ للنصوص القطعية التي تؤكِّد عدم مشابهة ذات الله لذوات الْمَخلُوقات. ولأَنَّ ابن الْقَيِّم يرى أن كُلّ جسم يَجب أن يكون مبايناً للجسم الآخر حَتَّى يتميَّز عنه، ظن بأن الله تعالى مباين للعالم حتى يمكن أن يميزه عن الْمَخلُوقات، لتصوره أن ذات الله عبارة عن جسم!.
ومن بين استدلالات أهل الْحَدِيث الْعَقلِيَّة أيضاً قول مُحمَّد بن صالح بن عثيمين: "فإذا نفيت هذه الْجهات عن الله تعالى لزم أن يكون معدوماً"([3]).
وهذا الكلام يستحقُّ التقدير لو كنا نتحدَّث عن جرم فضائي!، فالأجرام عبارة عن أجسام، والأجسام مُحتاجة إلى حيِّز تكون فيه، لكن ذات الله تعالى ليست جرم من الأجرام، إِنَّهَا ذات غيبية فوق تصوّر الْمَخلُوقات، ذات منَزَّه عن مشابهة أي شيء من الأشياء الْمتوهّمة في العقل ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?، فكل جسم مُحتاج إلى مكان يوجد فيه وجهة يشار فيها إليه، ولكن الله تعالى هو الغنِي عن كُلّ شيء ?وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ?([4])، بل إن المكان والجهة هي المحتاجة إليه، فلولاه جلّ وعلى لما كان هناك مكان ولا جهة، فكيف يحتاج الخالق للمخلوق؟ وهل كان قبل خلقه للمكان والجهات ناقصاً؟