مناقشة أدلة القائلين بالعلو الحسي العقلية
الجزء ١ · صفحة ٩١وابن تيمية فيما يبدو قد نسي أنَّ مصطلح الجهة والمكان العدمي لم يأت ذكرها في القرآن الكريم ولا في السُّنَة، كما أَنَّهُ لم يأت ذكرها أيضاً عند السلف المقدس الذي يدَّعي ابن تيمية الانتساب إليه، إذاً هذا الْمصطلح مبتدع بِمقاييس أهل الْحَدِيث، فلماذا لا يشنِّع هؤلاء على ابن تيمية كما شنعوا على من استخدم مصطلح المجاز والجسم والعرض والجوهر!. ولا يفوتنا أن نسأل ابن تيمية ما هو هذا الْمكان العدمي الذي ذكر؟ وما صفته؟! وفي ماذا يختلف عن المكان غير العدمي؟ وهل هو مفرغ من الْهَواء والذرات والضغط كما هو الحال في الفراغ بين النجوم والمجرات؟ إن المكان يعتبر مكاناً سواء وصفته بأنَّه عدمي أو غير عدمي، ولكن مُحاولة الالتفاف على إلزامات ردود المخالفين -التي تدلل على أن وصف الله بالمكان تجعله محتاجاً عاجزاً ناقصاً-دفعت ابن تيمية إلى ابتداع مصطلح "الْمَكان العدمي". وهذا الْمَكان الذي سَمَّاه ابن تيمية "بالعدمي" هو في حدّ ذاته معدوم، فلا وجود له في الحقيقة إِلاَّ في مُخيلة ابن تيمية ومن انساق خلفه من اتباعه.
إن إثبات وجود الله في مكان عدمي هو إثبات لعدمه تعالى؛ لأَنَّ ما هو موجود في العدم ليس إلا عدماً.
ومن بين الاحتجاجات أيضاً قول ابن تيمية: "معلوم بضرورة العقل أنَّ إثبات موجود فوق العالم ليس بِجسم، أقرب إلى العقل من إثبات موجود قائم بنفسه ليس بِمباين للعالم ولا بِمداخل له، فإن جاز إثبات الثاني فإثبات الأوَّل أولى"([7]).