البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات زكريا بن خليفة المحرمي

مناقشة أدلة القائلين بالعلو الحسي العقلية

الجزء ١ · صفحة ٩٥

والعجيب أنَّ ابن عثيمين حين وُوجِه بِهذا السؤال قال: "جوابنا عليه أن نقول: هذا سؤال لَم يسأله الصحابة -رضوان الله عليهم-، ولو كان هذا يَرِد على قلب الْمؤمن الْمستسلم لبيَّنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم"([11]). وهذ جواب عجيب، فلو سَلَّمنَا بصحَّة هذه الرواية هل يستطيع بشر في هذه الأعصار الْمتأخِّرة أن يَجزم بأن الصحابة قد سألوا هذا السؤال أم لا؟ هل وصلتنا كُلّ كلمة قالَها الصحابة؟ وهل كان الصحابة يعلمون أنَّ الليل يدور على الأرض وأنَّ الأرض كُروِيَّة؟ وهل يعتبر ابن عثيمين تِلميذه الذي سأله هذا السؤال غير مؤمن؟!.

ورواية النزول الْمزعوم جاءت من طريق أبي هريرة الذي كان يروي الإسرائيليات -كما بيَّناه- فلا يفرّق من يسمعه بينها وبين روايات الرسول صلى الله عليه وسلم، قال بسر بن سعيد: "اتَّقوا الله، وتَحفَّظوا من الْحَدِيث، فوالله لقد رأيتنا نُجالس أبا هريرة، فيحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُحدِّثنا عن كعب ثُمَّ يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يَجعل حديث رسول الله عن كعب، ويَجعل حديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"([12]). فلا يبعد أن تكون رواية النزول من ضمن تلك الروايات التي خلط الرواة في رفعها، فنسبوها إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بدل نسبتها إلى كعب الأحبار.

وقد ثبتت نفس هذه الرواية من طريق أبي هريرة، نقلها عنه الإمام الفقيه جابر بن زيد وهي خالية من عبارة «يَنْزِلُ رَبُّنَا»!، ونصُّ رواية جابر بن زيد عن أبي هريرة هي: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر: من يدعنِي فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»([13]).

فإمَّا أن تكون زيادة «يَنْزِلُ رَبُّنَا» من تلفيق أهل الْحَدِيث، أو أنَّ الرواة اختلط عليهم الأمر فأدرجوها من بعض روايات كعب الأحبار.

٩٥ / ١٦١