التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة يونس

الجزء ٢ · صفحة ١٨٣

وجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ البحرَ} أي: جاوزناهم فيِ البحرِ، حتَّى بلغوا البَرَّ حافظين لَهُم؛ ﴿فأَتْبَعَهم فرعونُ وجنودُه بغيا وعَدوًا﴾ ليهلكهم، ﴿حتَّى إِذَا أدركه الغرق، قَالَ: آمنت أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ الذِي آمنت بِهِ بنو إسرائيل، وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ (90)﴾، لأَنَّ كلَّ مخالف فيِ شيء من دين الله، فحين يُدركه الموت يتوب مِمَّا خالف فِيهِ الحقَّ فيِ ذَلِكَ الحين، وَلاَ تنفع التوبة حين ذَلِكَ، لأَنَّ التعبُّد قد انقطع وأقبل الجزاء.

﴿آلآن﴾ أي: تؤمن الساعةَ، فيِ وقت الاضطرار، وتركتَ وقتَ الاختيار؛ وَمَا كَانَ يُدعى إِلاَّ إِلىَ ذَلِكَ؛ ولو علم الله فِيهِ خيرا، ومنه خيرا لقالها قبل ذَلِكَ. ﴿وقد عَصَيتَ قبلُ﴾ (لعلَّه) الماضي من عُمِرك الذِي عُمِّرته، ﴿وكنت مِنَ المفسدِينَ (91)﴾ مِنَ الضالِّين المضلِّين.

﴿فاليومَ نُنجِّيكَ بِبَدَنِك لتكونَ لِمَن خَلْفَك آيةً﴾ لمن وراءه مِنَ الناس، أن تَظهرَ عبوديَّته، وأنَّ مَا كَانَ يدَّعي مِنَ الربوبيَّة فهو محال؛ وأنَّه مَعَ مَا كَانَ فِيهِ من عِظم الملك، آل أمرُه إِلىَ مَا ترون لعصيانه ربَّه. ﴿وإنَّ كثيرا مِنَ الناس عَن آياتنا لغافِلُونَ (92)﴾ لاَ يتفكَّرون فِيهَا، وَلاَ يعتبرون.

﴿وَلَقَد بَوَّأنَا﴾ أي: أنزلنا ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأ صدق﴾ وَهُوَ كقوله: ﴿أَدخِلْني مُدخل صِدقٍ وأخرِجْني مخرجَ صِدقٍ﴾ (1). ﴿ورزقناهم مِنَ الطَّيِّبَات﴾ مِنَ الأعمال الصالحة والأرزاق الواسعة، لمَّا أطاعوا واستقاموا. ﴿فما اختلفوا﴾ فيِ دينهم ﴿حَتَّى جاءهم العلم﴾ فكَانَ الاختلاف بَيْنَهُم بعد قيام الحجَّة. ﴿إنَّ رَبَّكَ يقضي بَيْنَهُم يومَ القيامة فيما كَانُوا فِيهِ يختلفُونَ (93)﴾ فَيُجازي كلاًّ عَلَى قدرِ عمله، ويميِّز المحقَّ مِنَ المبطل بالإنجاء والإهلاك.

{

(1) - … سورة الإسراء: 80.

٥٨٠ / ١٬٥٨٨