سورة إبراهيم
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٦ربِّ إنَّهنَّ أضلَلْنَ كثيرًا مِنَ الناس} جُعِلنَ مُضِلاَّت عَلَى طريق التسبُّب، لأنَّ الناس ضلُّوا بِسببهنَّ، وكأنَّهنَّ أضللنهُم؛ ﴿فمن تَبِعنِي﴾ عَلَى ما أنا عَلَيه ﴿فإنَّه منِّي﴾ أي: هُوَ بَعضِي، لفرط اختصاصه، ﴿ومن عصاني فإنَّك غَفُورٌ رحيمٌ (36)﴾ لمن تابَ من معصيته.
﴿رَّبَّنا إِنِّي أسكنتُ من ذُرِّيَّتي﴾ بعض أولادي ﴿بِوادٍ﴾ هُوَ وادي مكَّة ﴿غيرِ ذي زرع﴾ لاَ يُصلِح الزرعَ، ﴿عند بيتك المحرَّم، رَبَّنَا لِيُقيمُوا الصلاة﴾، أي: مَا أسكنتُهُم بهذا الوادي البلقعِ إِلاَّ لِيُقِيموا الصلاة عند بيتك المحرَّم، ويعمُرُوه بذكركَ وعبادتكَ، وكذلك قد أسكن الله خلقَه فيِ أرضه ليُوحِّدوه ويَعبُدُوه، وَلاَ يُشرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ﴿فاجعل أفئدةً مِنَ الناس تَهوِي إِلَيْهِم﴾ تُسرِعُ إِلَيْهِم، وتَطير نحوهم شوقًا، [وتكون] سببا لأرزاقهم؛ قيل: ولو قَالَ: «أفئدة الناس»، لزاحمتكم فارس والروم والتُّرك [و] الهند، ولكنَّه قَالَ: ﴿أفئدةً مِنَ الناس﴾ وَهُم المُسْلِمُون، ﴿وارزُقهُم مِّنَ الثمرات﴾ مَعَ سكناهم وَاديًا مَا فِيهِ شيء منها، بِأَن يُجلَب إِلَيْهِم مِنَ البلاد الشاسعة، ﴿لَعَلَّهُم يَشكرُونَ (37)﴾ النعمة وَلاَ يكفرون.
﴿رَبَّنَا﴾ النداء المكرَّر دليله: التضرُّع والإلجاء (1) إِلىَ الله، ﴿إنَّك تعلَمُ مَا نُخفِي وَمَا نُعلِنُ﴾، لأَنَّهُ العالم عِلمًا ذاتيًّا، تستوي نسبته إِلىَ كلِّ معلوم؛ ﴿وَمَا يَخفَى عَلَى الله من شيء فيِ الأَرْض وَلاَ فيِ السَّمَاء (38)﴾، المعنى: أنَّك أعلمُ بأحوالنا ومصالحنا، وأرحم بنا مِنَّا بأنفسنا، فلا حاجة بنا إِلىَ الطلب لكنَّا ندعوك إظهارًا لعبوديَّتِك، وافتقار إِلىَ رحمتك.
{
(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الالتجاء».