سورة الحجر
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٤والأَرْض مددناها وألقينا فِيهَا رواسيَ، وأنبتنا فِيهَا من كلِّ شيء موزُونٍ (19)} وُزِنَ بميزان الحكمة، وقُدِّر بمقدار تقتضيه المصلحة، لاَ تصلح فِيهِ زيادة وَلاَ نقصان، إذ الحكيم لاَ يخلُق شَيْئًا لغير حكمة، أو لَهُ وزن وقدر فيِ أبواب المنفعة والنعمة، أو مستحسن مناسب، من قولهم: «كلام موزون».
﴿وجعلنا لكم فِيهَا مَعَايِشَ﴾ مَا يُعَايشُ بِهِ؛ ﴿ومن لستم لَهُ بِرَازقِينَ (20)﴾، كأنَّه قيل: وجعلنا لكم من لستم لَهُ برازقين، أو جعلنا لكم مَعايِش ولِمن لستم لَهُ برازقين، وأراد بهم: العيال والخدم الذِينَ يظنُّون أنَّهم يَرزُقُونهم ويخطئون، فإنَّ الله هُوَ الرزَّاقَ، يرزقهم وإيَّاهم؛ ويدخل فِيهِ الأنعام والدوابُّ، ﴿وإن مِن شيءٍ إِلاَّ عندنا خزائنه وَمَا نُنزِّلُه إِلاَّ بِقدَرٍ معلومٍ (21)﴾ [290]، ذِكرُ الخزائن تمثيلٌ، والمعنى: وما من شيء يَنتفع به العباد إِلاَّ ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به، وما نعطيه إِلاَّ بمقدار معلوم؛ فضربَ “الخزائن” مثلا لاقتداره على كلِّ مقدور.
﴿وأرسلنا الرياح لواقحَ﴾، أي: حوامل بالسحاب، لأنَّها تحمل السحاب فيِ جوفها، كأنَّه لاقحة بها، مِن «لَقَحتِ الناقةُ»: إِذَا حملت. وضُّدها: الريح العقيم. ﴿فأنزلنا مِنَ السَّمَاء ماءً فأسقَيْنَاكُمُوهُ﴾ فجعلنا [هُ] لكم سقيا، ﴿وَمَا أَنتُم لَهُ بخازنِينَ (22)﴾، بَل سلكه هُوَ ينابيع فيِ الأَرْض.
﴿وَإِنَّا لنحن نُحيِي ونميت ونحن الوارثُونَ (23)﴾ الباقون بعد هلاك الخَلقِ كلِّه؛ وقيل: للباقي وارثٌ استعارةً مِن وارثِ المَيِّت لا (1) يبقى بعد فنائه.
{
(1) - … كذا في الأصل والصواب: «لأنَّه يبقى بعد فنائه». انظر: الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 448.