التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الحجر

الجزء ٢ · صفحة ٣٠٦

فسجد المَلاَئِكَةُ كلُّهم أجمعُونَ (30)}، (لعلَّه) وكأنَّ فيِ الآية دليلاً عَلَى تفضيل آدم عَلَى المَلاَئِكَة، ﴿إِلاَّ إبليس﴾، قَالَ فيِ الكشَّاف: «كَانَ بَيْنَهُم مأمورًا معهم بالسجود فغلب اسم المَلاَئِكَة ثُمَّ استُثنِيَ بعد التغليب» (1)، ﴿أبى أن يكون مَعَ الساجدِينَ (31)﴾ امتنع أن يكون معهم.

﴿قَالَ: يا إبليس مَا لك ألاَّ تكونَ مَعَ الساجدِينَ (32)؟ قَالَ: لم أكن لأسجدَ﴾ أي: لاَ يصحُّ منِّي أن أسجدَ. ﴿لِبَشرٍ خَلَقتَه من صلصال من حمإٍ مسنُونٍ (33)﴾ (لعلَّه) لأنِّي أفضل مِنْهُ.

﴿قَالَ: فاخرُج مِنهَا﴾، قيل: مِنَ السَّمَاء، ﴿فإنَّك رجيمٌ (34)﴾ مطرودٌ من رحمة الله؛ ومعناه: ملعون، لأنَّ اللعن هُوَ الطرد مِنَ الرحمة، والإبعاد منها. ﴿وإنَّ عليك اللعنةَ إِلىَ يوم الدِينَ (35)﴾ ضَرَبَ “يوم الدين” حدًّا للَّعنة، لأَنَّهُ أبعد غاية [291] فيِ الدُّنْيَا، وكأنَّه عَلِمَ الله مِنْهُ الإيباء، فلا يتوب إِلىَ يوم الدين؛ وبعد يوم الدين فلا توبة، لأنَّ التعبُّد قد ارتفع وأقبل الجزاء.

﴿قَالَ: ربِّ فأنظِرْني﴾ فأخِّرني، ﴿إِلىَ يَومِ يُبعثُونَ (36). قَالَ: فإنَّك مِنَ المُنظَرِينَ (37) إِلىَ يومِ الوقتِ المعلومِ (38)﴾ قيل: إِنَّمَا سأل الإنظار إِلىَ اليوم الذِي فِيهِ يُبعَثون لئلاَّ يموت، لأَنَّهُ لاَ يموت فيِ يوم البعث أحد؛ فلم يُجَب إِلىَ ذَلِكَ، وأُنظِرَ إِلىَ آخرِ أيَّامِ التكليف زيادةً في بلائه وشقائه، وامتحانا للثقلين، لاَ إكرامًا لَهُ.

{

(1) - … الزمخشري: الكشَّاف، 2/ 449.

٧٠٣ / ١٬٥٨٨