سؤال أهل الذكر (86 حلقة، مبوب) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الموضوع: عام

الجزء ١ · صفحة ٤٦٦

على أن هذا الاجتماع الذي يجمع شتيتاً من المصلين إنما هو في الحقيقة أيضاً مظهر للوحدة نظراً إلى أن الأمة على اختلاف أحوالها تتوحد في هذا، فالغني يقف إلى جانب الفقير، والقوي يقف إلى جانب الضعيف، والحاكم يقف إلى جانب المحكوم، والعربي يقف إلى جانب الأعجمي، والأبيض يقف إلى جانب الأسود، فلا فارق بين هذا وذاك فكل من ذلك يدل على الوحدة الواجبة.

كما أن الزكاة كذلك تجمع المشاعر وتوحد المؤمنين لأنها تفجر مشاعر الرحمة في نفوس الأغنياء الذي يسخون بمالهم، ومن عادة الإنسان إذا سخا بماله أن يتألم لأحوال الفقراء والمساكين إلا عندما يجود بماله فهذا الألم الذي ينبعث في نفسه لما يراه من أحوالهم لا يشفيه إلا أن يجود بماله، وهذا مما يدعو أيضاً الفقراء والمساكين إلى أن يشعروا تجاه إخوانهم الأغنياء بمشاعر الوحدة الإيمانية التي تجمع هؤلاء وهؤلاء جميعاً في ظل العبودية لله.

والصيام كذلك، الصيام فيه أكثر من معنى يدعو إلى الوحدة ما بين عباد الله تعالى الصائمين، من ذلك نفس هذا الانتظام في تناول الطعام بحيث لا يكون أحد أسبق إلى تناوله من الآخر، وإنما يتناولونه جميعاً في وقت واحد، يفطرون جميعاً في ساعة واحدة في لحظة واحدة، كما يكفون عن الطعام في وقت واحد، ويشرعون في الصيام في لحظة واحدة، كل ذلك مما يوحد الأمة، فضلاً عما في الصيام من التربية على الأخلاق التي يدل عليها قول النبي صلى الله عليه وسلّم: إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن أحد سابه أو قاتله فليقل إني صائم. فإن هذا أعظم خلق، أسمى خلق يربي عليه النبي صلى الله عليه هذه الأمة، فالإنسان ليس مطلوباً منه أن يكف أذاه عن الغير فحسب، بل المطلوب منه أن يتحمل أذى الغير، وألا يقابل الإساءة بمثلها، فإن تعامل المؤمنون بمثل هذه الأخلاق كان ذلك داعيا إلى الاتحاد.

٤٦٦ / ١٬٣٦٠