الموضوع: الأخلاق الإسلامية
الجزء ٢ · صفحة ٥٠قَلِيلاً) (الإسراء: من الآية85).
فإذاً هذا الإنسان لا يكون سموه في هذه الحياة بمنصبه ولا بجاهه ولا بعلمه إن كان مجرداً من الأخلاق، فالأخلاق هي ميزان التفاضل بين الناس، ذلك لأن الخلق الرفيع يؤدي إلى أن يكون الإنسان أولاً مراعياً لحق الله سبحانه الذي خلقه فسواه، إذ غروره قد يجعله يرى أنه وصل إلى ما وصل إليه باستحقاق، وأن الله تبارك وتعالى لا فضل له عليه وهذا أمر فيه من الخطورة ما لا يمكن أن يتصوره متصور، فإن الغرور هو الذي يردي صاحبه، ما اغتر مغتر وإلا وكان غروره سبباً لما وصل إليه من إذلال الله تعالى له ومن إهانته إياه، ففرعون اغتر حتى وصل به الأمر إلى أن يقول (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (القصص: من الآية38)، وقال (وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) (الزخرف: من الآية51)، فأهلكه الله سبحانه وتعالى بما كان مغتراً به، أهلكه بالماء إذ أغرقه فيه فكان عبرة للمعتبرين (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) (النازعات:26)، وكذلك غيره.
والله تبارك وتعالى يبين لنا في كتابه أنه أهلك من أهلك من الأمم من قبلنا، تلكم الأمم التي أوتيت ما أوتيت إياه من المنافح الإلهية ولكنها لم تضعها في موضعها فإنه سبحانه وتعالى يقول (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَانَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) (الأنعام:6).
ولئن كان الغرور هو مصدر هلاك الإنسان، فإن غروره بالعلم أيضاً قد يكون مصدر هلاكه، إذ الله تبارك وتعالى قد حكى عن قارون قوله (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (القصص: من الآية78)، وقد كان ذلك سببا لهلاكه، فهكذا يجب أن يعتبر المعتبرون.