الموضوع: عام
الجزء ٢ · صفحة ١١٦والحق سبحانه وتعالى وإن جعل الدم نجساً تعاطيه محرماً كما دلت على ذلك الآيات القرآنية ودلت عليه الأحاديث النبوية الشريفة إلا أنه جعل الله تبارك وتعالى الضرورة تختلف أحكامها عن أحكام الاختيار، فنحن نرى أن الله سبحانه وتعالى مع تحريمه الدم والميتة ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله نص في كتابه العزيز على إباحة ذلك للمضطر عندما قال عز من قائل (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: من الآية173)، والاضطرار قد يتصور أنه خاص بالمخمصة وهي الجوع لأن الله تبارك وتعالى قال (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ) (المائدة: من الآية3)، والواقع خلاف ذلك، فإن الاضطرار لا يخصص بكونه في مخمصة، أو لا يقيد بكونه في مخمصة، ذلك لأن المخمصة هنا إنما هو وارد مورد الأغلب المعتاد، ومن المعلوم أن مفهوم المخالفة عندما يكون منطوقه وارداً مورد الأغلب المعتاد لا يحتج به عند العلماء كما في قول الله تبارك وتعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ) (الأنعام: من الآية151)، وقوله (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) (الإسراء: من الآية31)، فإن قوله (من إملاق) وقوله (خشية إملاق) لا يقيد هذا الحكم بحيث تكون قتل الأولاد لغير الإملاق ولغير خشية الإملاق مباحة، لأن ذكر الإملاق وخشية الإملاق إنما هو وارد مورد الأغلب المعتاد، ولأجل ذلك وجدنا فقهاء الأمة يكادون يجمعون على أن قول الله سبحانه وتعالى في تعداد المحارم (وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِن) (النساء: من الآية23)، لا يقيد حكم المنع فيه بكون هذه الربائب في الحجور، لأن ذكر كونهن في حجور أزواج أمهاتهن إنما هو وارد مورد الأغلب المعتاد، وإنما هنالك رأي شاذ تُرك منذ أمد بعيد وعولت الأمة على أن الربائب حرام على أزواج أمهاتهن إن دخلوا بأمهاتهن